نديمُ الختمات). ‏من غرائب ما سمعت: أن أحدهم حفظ القرآن من كثرة تلاوته… — رَوائم — TG.ME

(نديمُ الختمات).

‏من غرائب ما سمعت: أن أحدهم حفظ القرآن من كثرة تلاوته فقط، ولم يجلس يومًا لحفظه ولا مراجعته، وإنما هو حالٌّ مرتحل، لا ينتهي من ختمةٍ إلا ويشرع في أخرى، فصار يختم كل ثلاث، ويقرأ القرآن عن ظهر قلبٍ في غالب أحواله!

‏فالإنجازات الكبرى نادرًا ما تكون وليدة طفرة مفاجئة، بل هي تراكمات صغيرة، تبدو في يومها عادية، لكنها إذا اجتمعت على مدى الأيام والشهور والسنين = شكّلت بناءً شاهقًا يعجز عنه صاحب الكثير المنقطع.

وفرقٌ بين جهد (التحصيل) المشوب بالمغالبة والمجاهدة، وجهد (العادات) المشوب بالتكرار وطول الملازمة؛ فمن كان بين حِلّ وارتحال، ولا يضع عصا التلاوة إلا ليرفعها = تنطبع الصور في ذهنه انطباعًا كليًّا، وتترابط الآيات في عقله الباطن بالسياق والنغم والترداد، حتى يجد لسانه ينطلق بالآية دون استدعاء متعمد، لا يتكلف ذلك كما لا يتكلف أنفاسه سواءً بسواء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء!

وقد سُئل الإمام البخاري من قِبل ورّاقه محمد بن أبي حاتم: (هل من دواء للحفظ؟ فقال: لا أعلم شيئًا أنفع للحفظ من نهمة الرجل، ومداومة النظر). وسُئل في موضع آخر: (ما البلاذر -وهو دواء كان يُظن قديمًا أنه يُنشط الذاكرة- فقال: إدامة النظر في الكتب).

فلا تستهن بالتكرار على المُدد المتطاولة؛ فإن تأثيره أبلغ من السحر، وقديمًا قيل: (ما تكرر تقرر)، وحُكي أن فقيهًا أعاد الدرس في بيته مرارًا كثيرة، فقالت عجوز في بيته: (قد والله حفظته أنا! ‏فقال: أعيديه. فأعادته، فلما كان بعد أيام قال: يا عجوز أعيدي ذلك الدرس، فقالت: ما أحفظه! ‏فقال: أنا أكرر الحفظ لئلا يصيبني ما أصابكِ).

غير أن الملال آفة هذه الطريقة، فـ(الملول لا يكون حافظًا) كما يقول الشافعي، ولكن (نديم الختمات) يغالب ذلك بكل سبيل، ويحتال على النفس بأنواع الحيل للخلاص منه، فخلق العادات المستمرة -وإن قلَّت- هدفه الذي لا يحيد عنه، مستشعرًا أن أحبَّ العمل إلى الله أدومه وإن قلّ!

‏وقد ذكرت لي إحدى الأخوات أن أختها كفيفةٌ، ولديها قصور في الإدراك في بعض الجوانب الحياتية، لكنها حفظت القرآن عن طريق كثرة سماعه في إذاعة القرآن، وهي آية ومعجزة في قوة الحفظ والإتقان ومعرفة المتشابهات!

‏يا أصحاب العافية تداركوا أعماركم فقد قامت علينا الحجة بأمثال هؤلاء، والله المستعان!
September 2, 2026 952 14