187- قصص تاريخية يرويها القاضي العمراني رحمه الله.
🖋️ أ. محمد بن هيكل الأكحلي.
هذه القصص مذكورة في كتاب «سفينة العمراني» بقلم ابنه، السفير/ عبد الرزاق.
وقد قمتُ بالتعليق عليها بتعليقات يسيرة، ستجدونها بين الحاصرتين [...].
1- قال القاضي العمراني: جاءتني فتوى أزعجتني كثيرًا؛ لما فيها من استهتار بشرع الله تعالى. فقد جاءني رجل وابنه، فقال الأب: لقد قلت لابني: إذا لم تحلق ذقنك فأمك طالق!
وقال الولد: وأنا، لو حلقتُ ذقني، فإن زوجتي طالق!
فما رأي الشرع، وما الحل يا قاضي؟!
قال القاضي العمراني: فما إن سمعتُ هذا السؤال حتى قلتُ على الفور: اخرجا من الجامع؛ فقد لعبتما بالدين، واستهزأتما بالشريعة. وطردتهما من الجامع، وبعد قليل عادا واعتذرا.
فقلت لهما: هذا خطأ كبير منكما أنتما الاثنان، وقد دمرتما أسرتيكما بنفسيكما، ولعبتما بالشريعة. والطلاق قد وقع على إحداهما؛ فإذا حلق الولد ذقنه طلقت زوجته، وإذا لم يحلق طلقت الأم. ولكن اذهبا واعملا قرعة تحدد مَن تُطلَّق منهما!
[قلتُ: ليتَ القاضي العمراني رحمه الله أفتى بأن تُطلَّق زوجة الأب؛ وذلك لأنه مُتعنت في طلبه من ابنه أن يحلق لحيته، فهو أمرٌ بمعصية. وعلى كلٍّ، فكلاهما مخطئ! ولا حول ولا قوة إلا بالله!]
2- أتت امرأة إلى القاضي يحيى بن أكثم، قاضي القضاة في عصر الخليفة العباسي المأمون، تشكو إليه القاضي الذي حكم لها بدينار من أخيها المتوفى، الذي ترك ستمائة دينار، ولم يحكم لها القاضي الذي قسّم التركة سوى بدينار واحد.
فقال لها القاضي يحيى بن أكثم: أخلَّف أخوك زوجةً؟
قالت: نعم.
قال: من البنات؟
قالت: بنتين.
قال: وأمًّا؟
قالت: نعم.
قال: واثني عشر من الإخوة؟
قالت: نعم.
قال: وأنتِ الأخت الوحيدة؟
قالت: نعم.
فقال القاضي: للبنتين الثلثان من المال، وهو أربعمائة دينار، وللأم السدس، وهو مائة دينار، وللزوجة الثمن، وهو خمسة وسبعون دينارًا، والباقي خمسة وعشرون دينارًا للإخوة، للذكر مثل حظ الأنثيين؛ فللإخوة أربعة وعشرون دينارًا، لكل واحد منهم ديناران، ولك دينار واحد، وهو الباقي.
[قلتُ: وهذه مسألة مشهورة في كتب المواريث، وتُسمى المسألة الدينارية، وهي من أغرب ما يكون. وإن كان في ظاهرها أن فيها ظلمًا للأخت، فليس كذلك؛ فهي لديها اثنا عشر أخًا، ويجب عليهم الإنفاق عليها إن لم تكن متزوجة].
3- يحكي القاضي العمراني أنه عندما ذهب إلى الاتحاد السوفيتي في زيارة رسمية عام 1984م، زار خلالها الجمهوريات الإسلامية، ومنها جمهورية أوزبكستان، وقام بزيارة مسجد الإمام البخاري رحمه الله، الواقع خارج مدينة سمرقند بنحو خمسة وعشرين كيلومترًا.
وكان من عادة سكان المدينة المسلمين أن يحضروا إلى هذا المسجد لإتمام عقد زواجهم على يد شيخ المسجد وخطيبه.
وصادف وجود القاضي العمراني في المسجد أن حضر ثلاثة من الشباب مع مَن سيتزوجونهن، ليعقد لهم الشيخ أو إمام الجامع.
فقال الشيخ للقاضي وأعضاء الوفد اليمني: تفضلوا أنتم بإجراء عقد النكاح؛ ليتبركوا بكم، فأنتم أصل الإسلام.
فقال القاضي: بل نريد أن نعرف منكم كيف يكون العقد عندكم لنستفيد.
فقام الشيخ وعقد لهم، ثم دعا لهم بلغتهم.
فقال القاضي: نريد أن نعرف بماذا تدعو لهم، أيمكنك ترجمتها إلى العربية؟
فقال: لقد دعوتُ لهم وقلتُ: «اللهم ألِّف بين قلبيهما كما ألَّفتَ بين آدم وحواء، وكما ألَّفتَ بين موسى بن عمران وصافوراء، وبين سيدنا محمد وخديجة الكبرى، وبين الإمام علي وفاطمة الزهراء».
فأعجب القاضي العمراني بهذا الدعاء، وكان يذكره أحيانًا بعد أن يعقد للمتزوجين.
[قلتُ: قيل في اسم زوجة موسى عليه السلام: صافوراء، وقيل: صافورية، وهي ليست ابنة نبي الله شعيب عليه السلام، وإنما أبوها المذكور في القرآن هو رجل صالح من أتباع شعيب في منطقة مَدين].
4- عندما بلغ الإمام يحيى حميد الدين [حاكم شمال اليمن] خبر سقوط السلطان عبد الحميد [الثاني] عن الخلافة العثمانية، كتب في مذكرته:
«في الساعة السابعة بالتوقيت الغروبي (الذي كان معمولًا به عهد الإمامة، وهي الساعة الواحدة ظهرًا بالتوقيت الزوالي) من يوم الثلاثاء الأخير من شهر ربيع الأول سنة 1327 هجرية، سقط السلطان عبد الحميد».
وبعد أربعين عامًا بالتمام والكمال، اغتيل الإمام يحيى حميد الدين في منطقة حِزيَز، جنوب صنعاء، في تمام الساعة الواحدة ظهرًا، يوم الثلاثاء الأخير من شهر ربيع الأول سنة 1367 هجرية!
[قلتُ: سبحان الله! فهذه من غريب الموافقات، ولو كان الملوك يتعظ بعضهم ببعض، ما ظلموا ولا بطشوا؛ فمن لا يتعلم من التاريخ محكومٌ عليه بتكراره!]
دمتم بخير، وللمقال بقية أخرى بإذن الله.
🗓️ ليلة العشرين من ربيع الأول 1448هـ.
t.me/m_h_alakhali
Forwarded fromمحمد بن هيكل الأكحلي
1September 1, 2026 89