186- نفحات من حياة القاضي العمراني رحمه الله. 🖋️ أ. محمد بن هيكل… — القراءة🌿حياة — TG.ME

186- نفحات من حياة القاضي العمراني رحمه الله.
🖋️ أ. محمد بن هيكل الأكحلي.

في عام 1442 للهجرة، الموافق 2021 ميلادية، تُوفي القاضي العلّامة محمد بن إسماعيل العمراني رحمه الله في مدينة صنعاء، ودُفن فيها.

كنتُ حينها طالبًا في كلية الشريعة بجامعة صنعاء، ولم أعلم بوفاته إلا بعد أن دفنوه رحمه الله. فدخلتُ مواقع التواصل، ورأيتُ العالم الإسلامي كله ينعيه ويرثيه، وقد شيَّع جنازته أكثر من مائة ألف رجل، فشعرتُ بغُصّةٍ مريرة، وكأن شيئًا عظيمًا قد فاتني، وهو كذلك والله.

ولم أكن أعرف عنه الكثير حينها، حتى دخلتُ أقرأ عنه في الإنترنت، فعرفتُ أني أمام جبلٍ شامخٍ من جبال العلم، وذاكرةٍ شاهدةٍ على تاريخ اليمن.

فقد عاش رحمه الله مائة وثلاثة أعوام هجرية (بما يقابل مائة عام ميلادية)، عاصر فيها الحرب العالمية الثانية، والحرب الباردة، والاستدمار الأجنبي للدول الإسلامية، ومعارك تحريرها، وحكم الأئمة في شمال اليمن، وبريطانيا في جنوبه، ثم تحرير شمال اليمن وجنوبه، والعديد من الأحداث المهمة في التاريخ العالمي والإسلامي، وفي التاريخ اليمني خاصة، وقام بتأريخ الكثير من تلك الأحداث، ونقلها عنه طلابه رحمه الله.

وفي هذه الأيام، وأنا أقرأ في ترجمته من كتاب (سفينة العمراني) الذي ألّفه ابنه الأديب السفير/ عبد الرزاق، لفتت انتباهي بعض الأمور في ترجمته، ومنها:

أنه -رحمه الله- استمر في التدريس في صنعاء حوالي 71 عامًا، من 1361 إلى 1432هـ، في المساجد والجامعات والمعاهد الشرعية، حتى بلغ عدد طلابه بالآلاف، وأصبح منهم علماء وقضاة ودعاة كثيرون، وكلهم في ميزان حسناته بإذن الله.

ثم في عام 1432هـ، الموافق 2011م، أُصيب بجلطة دماغية، وتعب جسده بعدها لكبر سنه، فتوقف عن التدريس. ثم طلب منه أبناؤه أن يقوم بحلقة علمية في بيته، يدرّس فيها أبناءه وبناته، ففعل، واستمر عليها عشر سنوات، إلى ما قبل موته بأسبوعين!

واستمر طوال حياته يفتي الناس، ويجيب كل يوم عن 30 إلى 100 سؤال من أسئلتهم.

وبالرغم من وجود مفتي رسمي للجمهورية اليمنية بقرار جمهوري، فإن الناس كانوا يطلقون عليه هو مفتي الديار اليمنية، ويطمئنون إلى فتاويه أكثر من غيره.

وقد رفض تولّي منصب مفتي الجمهورية، ورفض منصب رئاسة المعهد العالي للإرشاد. وحتى في شبابه، بعد ثورة سبتمبر وقيام النظام الجمهوري، كان قد صدر قرار بتعيينه حاكمًا أول في صنعاء، لكنه رفض ذلك المنصب وغيره من المناصب؛ لأنه كان يرى أنها ستشغله وتلهيه عن التدريس.

ومع ذلك، فقد تولّى العديد من المناصب التي رأى في تولّيها النفع والخير للناس، فقد تولّى رئاسة مكتب رفع المظالم، بمقام وزير، وصار عضوًا في مجلس الشورى، ورئيسًا لمحكمة عليا، وغيرها.

وله عدة زيارات رسمية إلى الكثير من الدول الإسلامية، وزيارات بحثية إلى بعض الأماكن التراثية في العالم الإسلامي.

وله العديد من الكتب والرسائل والمخطوطات، وهو من العلماء الذين اشتغلوا بتأليف الرجال أكثر من تأليف الكتب، وقد كتب الكثيرون عن حياته وسيرته وفتاويه، وحتى عن أساليبه في التدريس.

وأكثر ما اشتهر بتدريسه هو كتب الحديث الستة: صحيح البخاري ومسلم وسُنن الترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه، وكتب الفقه، وخاصة كتب علماء اليمن، كابن الوزير اليماني، وابن الأمير الصنعاني، والشوكاني، وغيرهم، وغيرها من الكتب في السيرة والتاريخ وشتى الفنون، لا يشغله عنها شاغل، منذ عشرينياته وحتى جاوز المائة عام!

ولطالما تمنيتُ أني أدركتُه هنا في صنعاء وهو في صحته وقوته، فأنهَل من علمه وأسانيده العالية، وأستمع إلى شروحاته المبسطة باللهجة الصنعانية الطريفة، ولكن قدَّر الله وما شاء فعل.

نسأل الله أن يرحمه رحمةً واسعة، ويجزيه عنا وعن المسلمين خير الجزاء.

🗓️ ليلة التاسع عشر من ربيع الأول 1448هـ.

t.me/m_h_alakhali
❤2👍1
August 31, 2026 200 1