﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾
ثمة آيات لا نقرأها مرةً واحدة، بل تعيدنا إليها الحياة كلما تبدلت بنا الأحوال. ومن أكثرها ملامسةً لقلب الإنسان هذه الآية؛ فهي لا تخبرنا فقط أننا سنمر من حال إلى حال، بل تضع أمامنا حقيقةً كبرى: أن الثبات في الدنيا وهم، وأن الإنسان مسافرٌ فيها، ينتقل من طبقٍ إلى طبق.
كم من إنسانٍ كان بالأمس في سعةٍ من العيش، يخطط لغده مطمئنًا، ثم دارت الأيام فإذا بالسعة تضيق، والرزق يتراجع، والمطالب تتكاثر، وما كان يشتريه بلا حساب صار يحسب له ألف حساب. وكم من بيتٍ كان عامرًا بالطمأنينة، فإذا به يستقبل المرض أو الفقد أو الدين أو الغربة أو تعثر العمل. وكم من شخصٍ كان يسند غيره، فإذا بالأيام تضعه في موضع من يحتاج إلى من يسنده.
وهكذا تمضي الحياة: صحةٌ يعقبها ضعف، وقوةٌ يعقبها عجز، وغنى يعقبه فقر، واجتماع يعقبه فراق، وفرحٌ يتلوه حزن، ثم ينقلب الحزن سكينةً، ويأتي بعد الضيق اتساعٌ لم نكن نراه. ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾؛ أي أنك لن تبقى حيث أنت.
ولعل في قوله تعالى «لَتَرْكَبُنَّ» معنى بديعًا؛ فالإنسان ليس واقفًا أمام الحياة، بل راكبٌ فيها. والراكب لا يستطيع أن يأمر الطريق أن يتوقف عند المحطة التي أحبها. قد يودع شيئًا كان يظنه أبديًا، ويدخل شيئًا لم يختره، ثم يكتشف بعد زمن أن ما حسبه نهايةً كان مجرد منعطف.
ولذلك فالسعة امتحان كما أن الضيق امتحان، والغنى امتحان كما أن الفقر امتحان، والصحة امتحان كما أن المرض امتحان. وليس السؤال دائمًا: لماذا حدث لي هذا؟ بل ربما كان السؤال الأعمق: ماذا يريد الله أن يصنع فيَّ من خلال هذا؟
كم من ضيقٍ أعاد صاحبه إلى الله، وكم من فقدٍ أعاد ترتيب قلبه، وكم من بابٍ أُغلق لأنه لم يكن باب النجاة، وكم من تأخيرٍ ظنه صاحبه حرمانًا ثم اكتشف أنه كان حمايةً لا يراها.
وفي أيامنا هذه، حيث تضيق الأرزاق على كثيرين، وتتبدل الأعمال، وتثقل الديون، ويعيش الإنسان قلق الغد قبل أن ينتهي من تدبير اليوم، تبدو الآية كأنها تربت على كتفه وتقول: هذا الحال ليس كل حياتك. لا تحكم على عمرك من سنة قاسية، ولا على مستقبلك من بابٍ أغلق، ولا على نفسك من عثرةٍ واحدة.
لكن الآية لا تعدنا بأن كل ضيق سيعقبه غنى، أو أن كل فقد سيُعوَّض بما نشتهي؛ إنها تقول شيئًا أعمق: أنك لن تبقى في حالك. وربما يكون التغيير القادم في قلبك قبل أن يكون في ظروفك؛ سكينةً بعد قلق، وقناعةً بعد لهاث، وبصيرةً بعد حيرة، وقربًا من الله بعد طول غفلة.
فلا تجعل السعة تغرك، ولا تجعل الضيق يهزمك. إن أُعطيت فاشكر، وإن مُنعت فاصبر، وإن اتسعت يدك فلا تنسَ أيام حاجتك، وإن ضاقت عليك الدنيا فلا تنسَ أن الذي نقلَك من حالٍ إلى حال قادرٌ على أن ينقلك مرةً أخرى.
﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾
فلا تسكن قلبك في حالٍ زائلة، ولا تجعل ما فقدته تعريفًا لك، ولا تجعل ما أنت فيه الآن حكمًا على ما ستكون عليه غدًا. أنت في رحلة، وما هذه المرحلة إلا طبقة من طبقاتها؛ وستأتي بعدها طبقة أخرى، ثم أخرى، حتى تنتهي الرحلة كلها.
وعندها ستدرك أن بعض ما بكيت منه كان يربيك، وبعض ما فقدته كان يحميك، وبعض الأبواب التي أُغلقت في وجهك كانت تغيّر اتجاهك إلى حيث لم تكن ترى.
فامضِ مطمئنًا... فما دمت في الطريق، فليست هذه نهاية الحكاية؛ إنما هي طبقٌ عن طبق.
Forwarded fromرَوح
6August 23, 2026 420 2