المَعْقُوْلاتُ الثَّانِيَةُ المَنْطِقيّة .: post #404 — TG.ME

" وبما أن مادة البرهان تُفترض تحت صورة القياس، يحدث أيضاً أنها تُفترض تحت بعض الفصول المتقابلة، ولذلك فإن تقسيم كل هذه الأنواع –التي انقسم إليها البرهان العام حتى الآن– يمكن أن يصير أيضاً إلى أقسام أخرى كثيرة جداً، فإما أن تكون موجبة أو سالبة، وسواء كانت براهين من العلة أو من المعلول، وسواء كانت كلية أو جزئية، ومستقيمة وبراهين تُساق إلى المحال، أو في أي شكل من الأشكال الثلاثة التي علمها أرسطو في كتاب "القياس"، وهذا هو ربما عدد الأنواع التي يمكن أن يصير إليها تقسيم البرهان، والتي ذكرها أرسطو جميعها في مواضع مختلفة من هذا الكتاب. ... ومن هذه المواضع أيضاً يعرف أولئك الذين يشكون فيما إذا كانت بعض هذه تستحق اسم البرهان، أنها براهين وتسمى عند أرسطو باسم البرهان، لكن ليس "بإطلاق" (absolute)، بما أن اسماً من هذا القبيل هو تسمية للجنس، بل مع شركة لشيء ما يعبر عن النوع. فلما كانت إذن أنواع البرهان بهذه الكثرة، فإن أرسطو الذي سيعالج في هذا الكتاب البرهان أولًا وبالقصد مُجبر على تعليم كل أنواع البرهان بحيث لا يغفل عن أي نوع منه، ولا يترك طبيعته غير مبيَّنة تماماً، بل لا يترك شيئاً مما ينتمي إلى المعرفة التامة من كل وجه لكل واحدة منها، فلا بد من الاعتراف بوجه آخر أن أرسطو الذي علّم بدقة وعناية أنواع القياس بالنظر إلى الصورة، وهو الذي في كل مكان اعتاد أن يعالج الأشياء بنظر ونظام عجيبين، قد كان في هذا الكتاب مختلفاً عن نفسه. ومع هذا نقول إن أرسطو علّم كل نوع من أنواع البرهان بملء الاستقصاء، ولكن نلاحظ وسيلة خاصة كانت مجهولة للمفسرين: بوليكليتوس (Polycletus)، الذي يُحتفى به منذ القِدَم كالأعظم في فن النحت، لكي يدعم تلاميذه ويجعلهم متعلمين، كان يدرّسهم بطريق ما وجيز وسهل، فصنع تمثالاً يحتوي على كل أجزائه بجمال وبهاء عظيمين، ومتناسبين بِلُطْفٍ كبير فيما بينهم، بحيث لا يمكن أن يُطلب فيه أي شيء ينتمي إلى الكمال التام للجمال؛ فسمى هذا النحت الممتاز باسم "القاعدة" (Regulam)، لكي تكون تلك هي القاعدة والمعيار التي بها يمكن الحصول على المعرفة القصوى لكل التماثيل بأقصى سهولة؛ فكان يعرض هذا لهم، لكي يدركوا بالنظر فيه أجزاء وخطوط وتناسبات وعيوب كل البقية. وبفن مماثل استخدمه أرسطو في هذا الكتاب، إذ هو مزمع أن يُعلم القواعد والخواص لجميع البراهين، أخذ [أرسطو] على عاتقه التصريح بذلك الواحد فقط [البرهان المطلق (simpliciter)]، الذي فيه يُرى كل الأجزاء الأكثر شرفاً، والأفضل، والتي هي حقاً تلك التي تكون "لِم" (propter quid)، ومن العلة التي هي الصورية، والكلية، والموجبة، والمستقيمة، وفي الشكل الأول؛ ففي معرفة هذا النوع لا يقدّم معرفة أخرى غير معرفة جميع [البراهين] الأخرى، كما لو كان قد عالج كل واحدة على حدة، بما أنه يقوم في البراهين بذلك الدور الذي كان يقوم به بين التماثيل تمثال بوليكليتوس. فإذا نظرنا في هذه، فإنه من الضروري أن يظهر منها ما هو خاص في ذلك النوع نفسه، وما هو مشترك بينها وبين جميع البراهين الأخرى، كما سيظهر قليلاً بعد ذلك؛ وبوضوح يمكن أن تُعرف "سعة البرهان" (latitudo demonstrationis) الكلية التي تمتد إلى هذا الحد بحيث لا تخرج عن "الضروري"، وسنعرف الأجزاء والأعراض الخاصة بالبراهين الأخرى التي تكون أقل كمالاً من البرهان المطلق، وما يمكن أن يكون فيها ضرورياً، كما هو الأمر في التي من العلة المادية، والغائية، والفاعلة، وكما هو في السالبة، والجزئية، والبقية التي عددتُها أعلاه في أنواع البرهان، وسنعرف بالمثل من هذا "الضروري" نفسه أيها يكون، والذي لا يدخل في البرهان بأي وجه ولا يكون له فيه موضع؛ فإن لهذه الأنواع [أمور] كثيرة جداً التي هي بالعرض (الأعراض غير الذاتية)، والتي هي فاسدة، والتي هي محسوسة، وتلك التي تصدر عن الاتفاق (Fortuna)، وأخيراً الانتقال من جنس إلى جنس. لكي أرجع أخيراً إلى حيث انصرفتُ، إن أرسطو يعلِّم البرهان، ولكن ليس ذلك [النوع الأفضل من البرهان] فقط، الذي يظن الكثيرون أنه يُسمى "المطلق"، بل [البرهان] العام، والذي يشتمل على كل أنواعه، ولا يعلمه، كما يظن كثيرون آخرون، لأنه مع البرهان المطلق يتحدث في الوقت نفسه عن برهان "إن" (quia) مستقصياً طبيعته وخواصه، بل لأن معرفة ذلك النوع، الذي هو [البرهان] المطلق، تكون كأنها تلك المرآة التي فيها تُرى بوضوح شديد كل [البراهين] الأخرى. في الحاصل إذن أقول: إن موضوع الكتاب الحاضر هو البرهان العام، ولكن أرسطو يعالجه بتعليم البرهان المطلق وحده، بما أن هذا هو الذي فيه، كما في مرآة ما، تُرى طبيعة كل [البراهين] الأخرى، وكل هذه [الأشياء] في سياق الكلام، إذا قرأوا المواضع الخاصة والملاحظات الأخرى، فستبدو لهم دائماً أكثر وضوحاً. " جريجوريو زوكولو | شرح البرهان (ترجمة الذكاء الاصطناعي وبتصرّف يسير)

February 18, 2026 1.4K 5