ثم إنه ليس ممكنًا أصلًا أن يعرف شخصٌ جميع الأشياء إلا على هذا النحو المذكور؛ ولذلك أضاف أرسطو قوله: «على قدر ما يمكن».
وكذلك يقولون إن الحكيم هو الذي يعرف الأمور العويصة والشاقة والممتنعة المعرفة بسهولة؛ إذ لا يسمون الذين يعرفون الأمور المشتركة والسهلة حكماء.
ولهذا أيضًا لا يسمون الإحساس حكمة، ولا يسمون أصحاب الإحساس حكماء من حيث كونهم يحسون؛ لأن المعرفة الحسية مشتركة وسهلة.
ويقولون أيضًا إن الحكيم هو الذي يكون أدقَّ معرفةً بكل واحد من المعقولات، وأبعدَ غورًا فيها، وأصوبَ فيها بحيث لا يخطئ.
ويقولون كذلك إن الحكيم هو الأكثر تعليمًا للأسباب، أي الذي يجعل التعليم واقعًا من خلال بيان الأسباب، فهو عندهم أحرى باسم الحكيم من الذين لا يعلّمون على هذا الوجه.
ومن العلوم أيضًا يسمون حكمةً ذلك العلم الذي يطلب المعرفة لذات المعرفة نفسها ويختارها من أجل العلم ذاته، لا من أجل نتيجة تترتب عليها أو غرض آخر يحصل بسببها. ومن الواضح أنهم يسمون أصحاب هذا العلم حكماء؛ لأنهم يعرفون الأشياء ويختارون معرفتها لأجل المعرفة نفسها، لا لأجل شيء آخر ينتج عنها.
وأما قول أرسطو: «وأيضًا يكون أدقَّ وأكثرَ تعليمًا للأسباب»، فلا ينبغي أن يفهم منه أنه وصف واحد، بل وصفان؛ لأن الدقة والتعليمية متغايران. وعلى هذا يصير ما ذكره أرسطو ستة أوصاف للحكمة والحكيم.
ثم إنهم يقولون إن الذين يعرفون المبادئ الأولى والأعلى والأشد رئاسةً أحرى بالحكمة من الذين يعرفون الأمور التابعة والمندرجة تحتها. وكذلك يسمون الحكمة من بين العلوم العلم الأكثر رئاسةً والأكثر أُصوليةً والأكثر قيامًا بوظيفة العلم الرئيس، في مقابل العلم الذي يكون خادمًا له.
الإسكندر الأفروديسي



