المَعْقُوْلاتُ الثَّانِيَةُ المَنْطِقيّة .: post #403 — TG.ME

" ... بعد ترك تلك الآراء، أقول أنا إن الموضوع الحقيقي [لهذا الكتاب] هو البرهان، فهذا هو الذي يُطرح صراحة لنظر الكتاب، وهو النوع التام من القياس، وهو الذي يُبيِّن "ما هو" و "لمَ هو"، وأخيراً فإنّ أجزاءه وأعراضه الذاتية يستقصيها أرسطو بأقصى جهد، وكل الأشياء التي يُعلمها يوجّهها إلى معرفته. ولكن بما أن أنواع البرهان كثيرة من جهة، ومن جهة أخرى يمكن أن يُرى بوضوح أن أرسطو يبحث بدقة في طبيعة وخواص نوع واحد فقط بالذات، انقسمت آراء الشرَّاح إلى قسمين: [1] قسمٌ اتبع فقط الكلمات التي طرحها الفيلسوف صراحة أمام أعين الجميع، وأرادوا أن يكون موضوع [كتاب] البرهان هو ذلك النوع الذي يُسمى "المطلق" (simpliciter). [2] وقسمٌ بدا لهم من الصعب –وربما من غير اللائق– بتعليم فيلسوف عظيم كهذا أن يُعالج نوعاً واحداً من البرهان مع إهمال البقية، حيث يظهر بوضوح أنه وضع على عاتقه تعليم طبيعة البرهان، فزعموا أن البرهان من حيث هو "عام" هو الموضوع. ومع ذلك، فهؤلاء [الفريق الثاني] لا يصرحون بوضوح كافٍ بأي وجه نكتسب المعرفة التامة بجميع [الأنواع] من تعليم نوع واحد فقط عند أرسطو؛ كما لم يوضِّح هؤلاء لماذا يزدري أرسطو الأنواع الأخرى من البراهين التي وضعها هو نفسه باستثناء نوع واحد؛ لأنه رغم أن البرهان "المطلق" يفوق الأنواع الأخرى في الكمال، إلا أن الأنواع الأخرى لم يكن ينبغي إهمالها من تلك الملكة التي تَعِد بتعليم آلات العلم، لا سيما وأن استعمالها في العلوم ربما يكون أكثر من استعمال ذلك النوع الكامل من كل جهة. لهذه الأسباب، ترك الفريقان آراءهما محفوفة بصعوبات جمة. أما أنا، فلكي أُظهر أن الأمر الذي جعلوه مشكوكاً فيه ليس مشكوكاً فيه أبداً، ولكي تظهر حقيقة هذا الكتاب في أبهى ضياء، سأحاول أن أكشف قصد وخطة أرسطو بالبحث في ذهنه بعمق أكبر قليلاً. من الواضح لكل من يتأمل كلمات أرسطو أن البرهان المأخوذ تحت لفظه العام هو جنس؛ فله طبيعة عامة ، وله فصول تقسيمه إلى أنواع، وإذا كانت هذه الأنواع بعضها أكثر كمالاً وبعضها أقل كمالاً، فهذا لا يمنع أن تكون الفصول مقوّمة؛ لأن هذا يحدث أيضاً في الفصول والأنواع التي تصدر عن الطبيعة. والبراهين التي نالت كمالاً أقل لا توصف بأنها كذلك لأن صانعها كان ناقصاً، أو أنها تُفصل عن الأكمل لمجرد السلب والنقص –كما يحدث في المصنوعات كالبناء أو الخطابة–، بل هي بطبيعتها كذلك، وتتقوّم بفصول موجبة، ولا يمكن لمنطقي كامل أن يبنيها على نحو آخر، وحين تُعلّم هذه الأنواع، لا يعني ذلك أننا يجب أن نهرب منها كما يجب الهروب من الخطابة الفاسدة أو البيت الفاسد، بل لكي نستعملها، كأدوات تكون ضرورية لإعطاء وتلقي معرفة الأشياء. يجب أن ندرك أن البرهان ليس جنساً طبيعياً كالحيوان؛ لأن مادته هي الألفاظ والقضايا المتمايزة، وصورته هي ترتيب وتوزيع الحدود، التي لا يمكن أن يبرز منها واحد بذاته، كما هو الحال في الذي يصدر عن الطبيعة، بل هو بالمشابهة والمحاكاة جنس؛ فإن "الفن" يحاكي "الطبيعة"، ويحاكي لنفسه أيضاً أجناساً وأنواعاً يصورها ويصيغها، وهو ما سيتضح بجلاء أكبر في موضعه. الجنس إذن هو البرهان [العام]، وهو الذي ينقسم إلى أنواع كثيرة؛ وتلك الأنواع التي تفتقر إلى لفظ خاص بها، تستمد اسمها من الجنس مقترناً بفصلٍ ما به تنفصل عن الجنس، والتي سنعرف كل واحدة منها بأقصى سهولة إذا برهنا بهذا الطريق الذي هو تقسيم الشيء إلى أجزائه. أحد البراهين هو الذي يسمى برهان "لِمَ" (demonstratio propter quid)، والآخر هو الذي يسمى برهان "إن" (demonstratio quia)، وهذا هو التقسيم الأول له. وتلك الأنواع التي تسمى "لِمَ" طبيعتها أن تكون بحيث تُقدم دائمًا "العلة القريبة"، وبلا أي فاصل [واسطة] عن المعلول، ومرتبة في القياس بهذا الترتيب بحيث تسبق العلةُ المعلولَ في الذهن كما هو في نظام الوجود والأمر الطبيعي. أما تلك التي هي "إن"، فلها حال آخر، إذ إما بالترتيب العكسي تبرهن العلة من المعلول، أو إذا أخذ المبدأ من العلة، فإنها تكون علة بعيدة. وينقسم بعد ذلك برهان "لِم" إلى أنواع أخرى بحسب أنواع العلل التي يمكن أن يُبنى منها البرهان، والتي هي أربعة: فبعضها يكون [1] من الصورة، أو [2] من المادة، وأخرى [3] من الغاية، [4] ومن الفاعل. والبرهان الذي يكون من الصورة يسمّى عند أرسطو باسم منفصل عن البقية، وهو "البرهان المطلق" (simpliciter)، وهو ما يعطي ذلك العلم الذي هو الأسمى والرئيس، أو باسم الجنس "لِم"، ويسمّى عند اللاتينيين "الأقوى" (Potissima). والباقي يُسمى بحسب العلة المستخدمة أو بأن يقرَن اسم الجنس بالعلة، ويسمّى: برهان "اللّم" بالعلة الغائية، أو المادية، أو الفاعلية. " جريجوريو زوكولو | شرح البرهان (ترجمة الذكاء الاصطناعي وبتصرّف يسير)

February 18, 2026 1.2K 3