المَعْقُوْلاتُ الثَّانِيَةُ المَنْطِقيّة .: post #400 — TG.ME

كتاب التحليلات الثانية ينقسم بالدِّقَّة إلى خمسة أجزاء . "ومع ذلك، يمكننا وضع قسمةٍ أدقَّ وأكثرَ صناعةً للكتابِ كلِّه إلى خمسةِ أجزاء، اثنان منها في المقالة الأولى، وثلاثةٌ في الثانية: في الجزء الأول، يترقى أرسطو بالتحليل من مفهومِ الغاية لاكتشافِ شروط مبادئ البرهان، ويمتدُّ هذا الجزء من بداية المقالة الأولى حتى النص 56. ثم، بعد اكتشاف الشروط، يُعلِّم خواصَّ كثيرةً للبرهان تلزمُ عن تلك الشروط، والفرق بين الخواصِّ والشروطِ أنَّ الشروط تقال بوجهٍ خاصٍّ للفصول الذاتية الضرورية لتقويم الشيء (كما لو قلنا إنَّ الشروط الضرورية لتقويم الإنسان أن يكون جسمًا، وذا نفس، وحساسًا، ومشاركًا في العقل)، أما الخواصُّ فهي أعراضٌ خاصةٌ تلحقُ الشروط، ولذا فإنَّ خواصَّ الشيء الواحد، لا مجتمعةً وحسب بل مأخوذةً كلَّ واحدةٍ بانفراد، تكون مساويةً للشيء ومنعكسةً عليه، أما الشروط فمجتمعةً كلها تكون مساويةً للشيء الذي هي شروطه (إذ تقوِّمُ ماهيتَه وحدَّه المساوي بالضرورة للمحدود)، لكنها مأخوذةً بانفرادٍ لا يمكنُ أن تكون مساوية، بل هي أعمُّ من الشيء نفسه (اللهم إلَّا الفصل الأخير، الذي وحده يمكن أن ينعكس مع الشيء إذ لو كانت الشروط مفردةً مساويةً للشيء، لوُجِدَ للشيء الواحد حدودٌ وماهياتٌ متعددة، وهو ما لا يُقال بحال)، وبما أنَّ الشروط يجب معرفتها قبل الخواصِّ التي تصدر عنها، فقد توجب على أرسطو الكلام أولًا عن الشروط، وهو ما فعله في الجزء الأول، ثم عن الخواص، وخواصُّ البرهان تنقسمُ قسمين: فبعضها يلحق البرهان بما هو برهان (إذ ينظر لمطلب «لِمَ»)، وبعضها يلحقه بما هو حد (إذ يخصُّ المطلب البسيط المسمى «ما هو»)، ففي الجزء الثاني إذن، الممتدِّ من النص 56 حتى نهاية المقالة الأولى، ينظر أرسطو في خواصَّ كثيرةٍ للبرهان تُنسَبُ إليه بما هو برهان. وفي الجزء الثالث، وهو من بدايةِ المقالةِ الثانيةِ حتى النص 48، يبيِّن تلك الخاصية الأشرف للبرهان، التي يذكرها ابن رشد في «تخليص المنطق» في باب البرهان، حين يتكلم عن نوع البرهان الذي يسميه «برهان العلة فقط»، فأرسطو يُعلِّم في هذا الجزء أنَّ من خاصية البرهان أن ينقلبَ حدًّا، ويفي بمطلبِ «ما الشيء»، وهذا يمكن تسميته غاية البرهان، وأيضًا معلولًا وخاصيةً تلحق طبيعته وشروطه؛ لأنَّ الغاية والفاعل علَّتان لبعضهما، كما يُعلِّم أرسطو في الثانية من «التحليلات»، وقد أشار ابن رشد لهذا التقدم الصناعيِّ عند أرسطو في الشرح 100 من المقالة الثانية، كما سنبيِّن في تفسير ذلك الموضع. الجزء الرابع يبدأ من النص 48 من المقالة الثانية وينتهي عند 100، وفيه يعود أرسطو لبيان أمورٍ كثيرةٍ بيانًا أفضل وأوسع، كانت قد أُغفِلَت عمدًا، أو لُمِسَت بإيجازٍ وخلطٍ في الأجزاء الثلاثةِ السابقة لئلا يخرج كثيرًا عن الغرض، مقتديًا في ذلك بالرسامين، الذين يرسمون الشكل كلَّه أولًا، ثم يعودون لأجزاءٍ مفردةٍ للنظر فيها نظرًا أفضل، ليُتِمُّوا ما بقي ناقصًا (وقد لاحظنا هذا في موضعٍ آخر). وأخيرًا من النص 100 حتى نهاية المقالة الثانية، وهو الجزء الخامس، يتكلم أرسطو عن معرفة المبادئ، فبما أنَّ سائر ما قاله في الأجزاء الأربعة الأخرى كان يخصُّ علم النتيجة والمنهج البرهانيَّ (الذي يترقى من المبادئ للنتيجة)، فقد أراد في هذا الجزء الأخير، لتمام الصناعة ووفرة التعليم، أن ينظر أيضًا في المنهج الذي تُعرَفُ به المبادئ، إذ لما كانت لا تُعرَفُ بالبرهان، كان لا بُدَّ من قول كيف تُعرَف". يعقوب زاباريلا.

February 17, 2026 1.6K 5