ما بين السطور : ما لا يُقرأ 📜
أعود إلى الورقة كمن يعود من حربٍ لم ينتصر فيها ٫ أكتب بعد انقطاعٍ طويل ٫ كأن الكتابة محاولة أخيرة لإقناع نفسي أنني ما زلتُ على قيد الشعور ٫ لا أكتب لأُخبر أحدًا ٫ بل لأُفرغ هذا الثقل الذي يسكنني ٫ لأمنح الحروف فرصة أن تنزف بدلًا من قلبي ٫
كنت في العشرين حين أحببتها ٫ وكان في وجهها ما يشبه الهدوء ٫ تصغرني ببضع سنوات ٫ لكنها كانت أكبر من العالم في قلبي ٫ لم يكن بيننا سوى الوقت ٫ وكأنه مؤقتٌ بالرحيل منذ البداية ٫ ثم جاء ذلك اليوم ٫ اليوم الذي حمل فيه البريد تذكرة سفرها ٫ بورقةٍ صغيرة تحمل ما لا تطيقه الروح ٫ يومها شعرت أن العالم يطوي نفسه حولي ٫ وأن السماء صارت منخفضة أكثر مما يجب ٫
لم أكن أملك سوى قلبي ٫ المال غاب مع الحرب ٫ والأحلام تكسّرت على الحصار ٫ وكل ما تبقّى لي هو وعد داخلي بألا أنسى ٫ كنت أريد أن أطرق باب أهلها وأقول لهم ببساطة ٫ "أحبها" ٫ لكني كنت أعلم أن الحب وحده لا يُقنع أحدًا حين تكون الجيوب فارغة ٫
الليل كان صديقي الوحيد ٫ كنت أستلقي في العتمة وأفكر كيف يمكن للقدر أن يكون بهذا القسوة ٫ كيف يمكن للإنسان أن يعيش وهو يرى حلمه يرحل في حقيبة غيره ٫ كنت أضع رأسي على الوسادة فتقرأ دموعي حروفي قبل أن أجففها ٫ جسدي كان يرتجف ٫ لا من البرد ٫ بل من العجز ٫ من ثقل الفكرة: أن تكون قريبًا من الحب ٫ وبعيدًا عن كل ما يمنحه فرصة للحياة ٫
هي لم تسافر بعد ٫ لكنها تقف على حافة الغياب ٫ كل يوم تلوّح لي بكلماتها كمن يودّع دون أن يقولها صراحة ٫ تقول لي ٫ "أنا إلى جانبك ٫ وسأظل معك ٫ وسأكون سندك" ٫ وكأنها تحاول أن تبني من صوتها جدارًا في وجه الرحيل ٫ وأنا أبتسم في الصمت ٫ أعلم أن الكلمات أحيانًا تكون وطنًا مؤقتًا ٫ لكنها لا تُبقي أحدًا ٫
الحرب سرقت كل شيء ٫ حتى ملامح المستقبل ٫ وتركتنا نعيش على اليوم فقط ٫ كمن يسير على خيطٍ بين الحياة واللاشيء ٫ ومع ذلك ٫ ما زلت أكتب ٫ لأثبت لنفسي أن الحب لم يمت ٫ أنه لا يحتاج إلى مكان ليعيش ٫ يكفيه أن يترك أثرًا صغيرًا ٫ أن يتنفس داخل الحروف حين تُغلق الأبواب ٫
ربما الفقد لا يُميت الحب ٫ بل يُحوّله إلى شكل آخر من الوجود ٫ إلى ظلٍ يسكننا دون أن نراه ٫ ربما هذا ما يعنيه البقاء: أن يظل شيء منك حيًّا رغم أن كل ما حولك انتهى ٫
وأنا الآن أكتب ٫ دون أن أعرف إن كنت أروي ما حدث فعلًا ٫ أم ما تمنّيت أن يحدث ٫ أكتب لأني لا أملك غير الحروف ٫ لا أملك غير هذا الضوء الخافت الذي يشبه أنفاسها حين تقترب من حلم بعيد ٫
هناك لحظة في كل قصة ٫ تتوقف فيها اللغة ٫ ويبدأ القلب بالكلام وحده ٫ لحظة لا نعرف فيها إن كنا نتمسك بالحب ٫ أم أن الحب هو من يتمسك بنا 🤎✨.
November 10, 2025 233