ما بين الليل والذكريات 📜
أحيانًا أشعر أن الإنسان لا يحتاج إلى الهروب من العالم بقدر حاجته إلى أن يرتاح من ضجيج قلبه ٫ حتى لو اجتمع بكل من يحبهم ٫ سيعود في نهاية اليوم إلى وحدته نفسها ٫ إلى ذلك الفراغ الصامت بعد انتهاء المكالمات وانطفاء الأصوات ٫ وكأن الليل خُلق ليُعيدنا إلى حقيقتنا دون أقنعة ٫
أتذكر تلك الأغنية التي كانت تمرّ عليّ وكأنها تعرفني أكثر مما أعرف نفسي ٫ “افتكرني لو كنت يوم حبيبك” ٫ كنت أسمعها وأشعر أن بعض الكلمات لا تُقال عبثًا ٫ كأنها كُتبت لأجل شخصٍ ما يجلس وحيدًا في آخر الليل ويحاول أن يقنع نفسه أن الذكريات أخفّ من الحقيقة ٫
وأتساءل دائمًا ٫ لماذا يُصر الإنسان على العودة إلى الماضي ٫ لماذا لا يعيش اللحظة مع من يحبهم بدل أن يعيش على بقايا الذكريات ٫ هل لأن الذكريات أكثر أمانًا من الواقع؟ أم لأننا حين نفقد شيئًا جميلًا نحاول أن نبقيه حيًا داخلنا بأي طريقة ٫ حتى لو كانت مجرد وهم ٫
في إحدى الليالي ٫ عند الثانية بعد منتصف الليل تقريبًا ٫ كنت مستلقيًا أحدّق في سقف خيمتي ٫ وبجانبي زجاجة ماء ودوائي ٫ الهواء البارد كان يضرب وجهي بهدوء ٫ وموسيقى خافتة تخرج من هاتفي كأنها تشاركني وحدتي ٫ فجأة شعرت برائحة البحر ٫ رائحة سمكٍ يُشوى على نارٍ قريبة رغم أن البحر بعيد عني أميالًا كثيرة ٫ لا أعلم إن كان الأمر حقيقيًا أم أن حلقة المسلسل التي شاهدتها أعادت شيئًا قديمًا بداخلي ٫ لكن الرائحة بقيت عالقة في أنفي وكأن الذاكرة تملك قدرة غريبة على إعادة الأشياء إلينا دون استئذان ٫
ربما لن يفهم أحد هذا الشعور تمامًا ٫ لأن بعض الأحاسيس لا تُشرح ٫ بل تُعاش ٫ يجب أن تمرّ باللحظة نفسها كي تدخل الكلمات إلى داخلك وتستقر في زاوية بعيدة من روحك ٫ هناك حيث تسكن الأشياء التي لا ننساها أبدًا ٫
أحيانًا لا أعرف لماذا أكتب ٫ لكن لدي يقين أن الكتابة ليست سوى طريقة أخرى للبكاء ٫ أنا لا أجيد البكاء كثيرًا ٫ لذلك أترك الحروف تبكي عني ٫ أكتب غضبي وحزني وحنيني على الورق ٫ لعلّ قارئًا يمر بهذه الكلمات يومًا ٫ فيشعر أنه ليس وحيدًا ٫ أو يتذكر شيئًا حاول نسيانه طويلًا ٫
وفي مساء اليوم التالي ٫ رنّ هاتفي ٫ كانت هي ٫ وكان يوم ميلادها الحادي والعشرين ٫ صوتها بدا قريبًا وبعيدًا في الوقت نفسه ٫ يحمل لهفة خافتة وحزنًا تحاول إخفاءه بين الكلمات ٫ تحدثنا طويلًا عن أشياء عادية جدًا ٫ لكن خلف كل جملة كان هناك اشتياق ثقيل لا يُقال ٫ كنت أستمع إلى ضحكتها وكأنني أخشى أن تضيع مني ٫ وأحاول أن أحفظ نبرة صوتها داخل قلبي قبل أن ينتهي الاتصال ٫
كانت تتمتم أحيانًا بصوتٍ منخفض ٫ وكأنها تريد قول شيءٍ أكبر من الكلام نفسه ٫ وأنا كنت أبتسم بصمت ٫ أخفي ارتجاف قلبي خلف هدوئي المعتاد ٫ شعرت للحظة أن المسافات لا تُقاس بالكيلومترات ٫ بل بعدد الأشياء التي نعجز عن قولها لمن نحب ٫
وحين انتهت المكالمة ٫ عاد كل شيء هادئًا بشكلٍ مؤلم ٫ وبقي صوتها وحده يدور في رأسي كأغنية لا تعرف كيف تنتهي ٫
وبعد ثلاثة أيام ٫ كنت أشاهد الحلقة الأخيرة من مسلسلي ٫ النهاية كانت سعيدة ككل النهايات التي تأتي بعد العذاب الطويل ٫ جلست أفكر وقتها ٫ لماذا تبدو القصص دائمًا أكثر رحمة من الحياة؟ ولماذا تمنحنا الأفلام نهاية دافئة بينما الواقع يتركنا معلّقين في منتصف الطريق؟ ٫
هل حقًا توجد نهاية سعيدة بعد كل هذا التعب؟ أم أن النهايات السعيدة مجرد شيء اخترعته القصص حتى تمنح الناس قدرة مؤقتة على الاحتمال؟ لا أعلم ٫ كل ما أعلمه أنني كلما كبرت أكثر ٫ أصبحت أؤمن أن الحياة لا تمنح الجميع ما يستحقونه ٫ وأن بعض الأشخاص يعيشون أعمارهم كاملة وهم ينتظرون نهاية لم تأتِ أبدًا 🤎✨
1May 12, 2026 88 1