يمكن القول الآن بأن مصر تعيش زمانا يشبه زمان فرعون..
حملة الاعتقالات الموسعة والمجنونة التي تشنها السلطة تكاد تترك بيوت المعارضين كما كانت بيوت بني إسرائيل قديما..
الحملة الآن تشمل تقريبا كل الذكور، وطالت بعض النساء أيضا، فما من معارض بالخارج، بل وكثير ممن لم يعودوا معارضين من زمن، قد اعتقل إخوتهم أو أبناء إخوتهم أو إخوة زوجاتهم أو أزواج أخواتهم..
كأنه مشهد من قوله تعالى {يستحيي نساءهم}..
وقد كان بعض الأصدقاء الحقوقيين يتصور في بداية الأمر أن الحملة المسعورة نتيجة تغيير في قيادات الأمن الوطني، كما هي الحال المعتاد، فإذا بالوضع يثبت أن الأمر ليس هكذا، وأنه حملة لم تحدث في مصر منذ الانقلاب العسكري المشؤوم في 2013م.
يتحدث بعض علماء الاجتماع عن ظاهرة "النبوءة ذاتية التحقق"، ومعناها أن المرء إذا خالطه الشك وخشي ممن حوله وظن فيهم السوء، تصرف نحوهم بعدوانية، فيحملهم هذا على التصرف نحوه بعدوانية فعلا، فيتحولون إلى أعداء، وبذلك تصدق نبوءته وظنونه، التي لم تكن إلا أوهاما في بداية الأمر..
وحقيقة لست أدري ما الذي يحمل النظام في مصر على هذا القدر من الفزع والهلع، لا بد أن عنده من الشكوك والأسباب ما تملؤه رعبا.. أو ربما كانت أمورا لا تحتمل كل هذا الخوف، لكن طبيعته النفسية العدوانية وهواجسه المستمرة تحمله على تضخيم الصغير وتعظيم القليل.. حتى تنقلب الأمور عليه حقا! وتصدق نبوءته في نفسه وفي الناس!
وقد أخبرنا ربنا تبارك وتعالى في القرآن الكريم أن فرعون شنَّ حملتين كبيرتيْن من قتل الذكور وترك الإناث:
1. الحملة الأولى كانت في بداية شكوكه وهواجسه، وذلك في زمان مولد موسى عليه السلام.. ولهذا خافت عليه أمه فأوحى الله إليها أن تلقيه في البحر!
2. والحملة الثانية كانت حين جاءه موسى رسولا بعد سنين، فساعتها قال له الفاسدون من حاشيته: {أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك؟ قال: سنُقَتِّل أبناءهم ونستحيي نساءهم، وإنا فوقهم قاهرون}
وهذه الحملة الثانية هي التي قال فيها موسى لقومه {استعينوا بالله واصبروا، إن الأرض لله يورثها من يشاء، والعاقبة للمتقين * قالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا. قال: عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض، فينظر كيف تعملون}.
فما أشبه بين حالنا وهذا الحال..
ويزيد في الشبه، ما قد ذكره ربنا تبارك وتعالى من أنه عاقب فرعون قومه بالفقر والجوع {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين، ونقص من الثمرات، لعلهم يذَّكَّرون}
وقد كانت لهم نفس ردة الفعل: إن كان من خير نسبوه لأنفسهم ولحكمة الرئيس وقوة الدولة، وإن كان من شر نسبوه "للإرهابيين" أتباع موسى وشؤمهم
{فإذا جاءتهم الحسنة قالوا: لنا هذه. وإن تصبهم سيئة يطَّيَّروا بموسى ومن معه}.
فعسى أن يكون الفرج قد اقترب، وعسى أن يكون هلاك الفرعون قد حان..
وما يعلم جنود ربك إلا هو.. وسبحان مقلب القلوب ومصرف الأبصار.. وسبحان من يدبر الأمور في الليل والنهار.. لا يعجزه شيء، ولا يغيب عنه شيء..
September 2, 2026 3.4K 49