إرشاد السائل: ع١٨/س١٦) ما حُكم من يقول: «يَا أُمِّي» في الفجاءة أو… — الفتاوى الشرعية — TG.ME

(إرشاد السائل: ع١٨/س١٦)
ما حُكم من يقول: «يَا أُمِّي» في الفجاءة أو الألم–خصوصًا النساء عند الولادة أو المصيبة–دون أن يرجع أو يستغفر؟ ولو قال: «يَا مُحَمَّدْ» دون أي شيء آخر، فما حُكمه؟

أقول إذا كان النداء بمعنى الطلب–استغاثةً، أو جلبًا للنفع، أو دفعًا الضرّ–من الميت أو الغائب، فهذا شركٌ أكبر، كقول المرأة ذلك عند ألم المخاض، أو إذا أرادت القيام من جلوسٍ، أو عند الفزع والخوف والهلع وغيرها، ويُعرَف ذلك–القصد–من جهة الاستعمال وسياق الكلام وقرائن الحال. قال ابن حبنّكة: «وَقَدْ يَخْرُجُ النِّدَاءُ عَنِ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ الْمَوْضُوعِ لَهُ، فَيُسْتَعْمَلُ لَدَى الْبُلَغَاءِ وَغَيْرِهِمْ فِي أَغْرَاضٍ أُخْرَى غَيْرِ النِّدَاءِ، وَهَذِهِ الْأَغْرَاضُ تُفْهَمُ مِنْ قَرَائِنِ الْحَالِ أَوْ قَرَائِنِ الْمَقَالِ، فَكُلُّ حَرَكَةٍ نَفْسِيَّةٍ ذَاتِ مَشَاعِرَ، تَدْفَعُ الْإِنْسَانَ إِلَى التَّعْبِيرِ عَنْهَا بِنِدَاءٍ مَا، بِطَرِيقَةٍ تِلْقَائِيَّةٍ، وَلَوْ لَمْ يَشْعُرْ بِأَنَّ هَذَا النِّدَاءَ يُحَقِّقُ لَهُ مُرَجًّى أَوْ مَأْمُولًا، أَوْ يَدْفَعُ عَنْهُ مَكْرُوهًا». ومن تلك الأغراض: النُّدبة، كقول القائل: «يَا حَسْرَتَاهْ»، أو الزجر واللوم والتفجّع، أو اليأس وانقطاع الرجاء، أو التمنّي، أو غير ذلك ممّا هو مذكورٌ في محالّه من كتب اللغة. قال سليمان بن عبد الله: «فَالْمُسْتَغَاثُ بِهِ عِنْدَهُمْ هُوَ الَّذِي يُدْعَى وَيُسْأَلُ وَيُطْلَبُ مِنْهُ الْغَوْثُ، وَالْمُنَادِي هُوَ دَاعِي الْمُنَادَى، لَكِنْ فَرَّقُوا بَيْنَ دُعَاءِ الْمُسْتَغَاثِ بِهِ وَغَيْرِهِ، كَمَا فَرَّقُوا بَيْنَ دُعَاءِ النُّدْبَةِ وَغَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ، وَقَوْلِهِمْ: يَا أَبَتَاهُ، يَا: عِمْرَانُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُلْحِقُونَ فِي آخِرِهِ أَلِفًا لِأَجْلِ مَدِّ الصَّوْتِ؛ إِذِ النَّادِبُ الْحَزِينُ يَمُدُّ صَوْتَهُ وَهُوَ يَنْدُبُ مَا قَدْ فَاتَ، فَيَمُدُّ الصَّوْتَ فِي آخِرِ دُعَائِهِ، كَقَوْلِهِ: يَا أَسَدَاهُ، يَا رُكْنَاهُ، يَا أَبَتَاهُ. حَتَّى قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَاهُ، يَا عَبْدَ الْمَلِكَاهُ. إِذْ نِدَاءُ النُّدْبَةِ يَقُولُهُ الْإِنْسَانُ عِنْدَ حُدُوثِ أَمْرٍ عَظِيمٍ، وَيَقُولُهُ لِلتَّوَجُّبِ، كَقَوْلِ سَارَّةَ حِينَ بُشِّرَتْ بِإِسْحَاقَ: يَا وَيْلَتِي. بِخِلَافِ الْمُسْتَغِيثِ؛ فَإِنَّهُ يَدْعُو الْمُسْتَغَاثَ بِهِ كَمَا يَدْعُو غَيْرَهُ، فَيَقُولُ: يَا لَزَيْدٍ. كَقَوْلِهِ: يَا زَيْدُ، لَكِنْ دَلَّ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ أَنَّهُ يَطْلُبُ مِنْهُ الْإِعَانَةَ عَلَى مَا يُهِمُّهُ مِنْ أُمُورِهِ مُطْلَقًا، بِخِلَافِ النِّدَاءِ الْمُجَرَّدِ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؛ فَالْمُسْتَغِيثُ بِالشَّيْءِ دَاعِيهِ مَعَ زِيَادَةِ طَلَبِ الْإِغَاثَةِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ الْمُتَدَاوَلَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا مِثْلُ هَذَا–فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ وَالتَّفْسِيرِ وَدَوَاوِينِ الْعَرَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ–أَنَّ الْمُسْتَغِيثَ بِالشَّيْءِ هُوَ الَّذِي يَطْلُبُ مِنْهُ الْغَوْثَ، وَهُمْ يَقُولُونَ: اسْتَغَثْتُهُ وَاسْتَغَثْتُ بِهِ. كَمَا يَقُولُونَ: اسْتَعَنْتُهُ وَاسْتَعَنْتُ بِهِ، وَدَعَوْتُهُ وَدَعَوْتُ بِهِ. وَبَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ فَرْقٌ لَطِيفٌ، وَهُوَ أَنَّهُمْ إِذَا عَدَّوْهُ بِنَفْسِهِ لَاحَظُوا أَنَّهُ فَاعِلُ الْغَوْثِ بِنَفْسِهِ، وَإِذَا عَدَّوْهُ بِالْبَاءِ لَاحَظُوا أَنَّهُ مُعِينٌ عَلَى ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ إِذَا قَالَ: اسْتَغَثْتُ فُلَانًا، قَالَ: طَلَبْتُ مِنْهُ أَنْ يُغِيثَنِي. وَإِذَا قَالَ: اسْتَغَثْتُ بِهِ، تَضَمَّنَ مَعْنَى: اسْتَغَثْتُهُ وَاسْتَغَثْتُ بِهِ عَلَى أَنْ يُغِيثَنِي. فَالْبَاءُ فِيهِ مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنَى: كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ. فَالِاسْتِغَاثَةُ عَامَّةٌ فِي الْمَعْنَى: الِاسْتِغَاثَةُ وَزِيَادَةٌ». أمّا إن قال: «يَا مُحَمَّدْ»، دون أي شيء، أي: ليس في مقام الاستغاثة والطلب، فهو من شرك الألفاظ الدارجة على ألسنة بعضهم، فليتبعها بقول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، كما روي عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، أنّه قال: «حَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقُلْتُ: إِنِّي حَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى. قَالَ: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ–ثَلَاثًا–وَانْفُث عَنْ شِمَالِكَ–ثَلَاثًا–وَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، ثُمَّ لَا تَعُدْ».
September 19, 2026 300 4