خاطرة | «كلمة الله»
أترى حين تكون مع الناس ثم يطوف بك معنى يتجلّى لك في طاقة الشعور، فتتفكّر فيه وحدك على نحوِ استجد لك من جهة الاستشعار العميق لا من جهة الفكرة، فإذا أردت أن تُعلم الناس به خرج باردًا لا جديد فيه؟
تتعجّب حينها ومنشأ التعجّب هو خذلان الإبانة لصدق الشعور هذا أنا اليوم، وما بي عِيّ، ولكنّ المعنى ثقيل..
كتبتُ خاطرة بعثني إليها أمر لا أطيل بذكره، ولكنّي انبعثتُ إليها بمس النار أجدها بين جوانحي، فلمّا أردتُ أن أُصلي الورق بعض ما أجد؛ خرج الكلام دافئا دون ما كنتُ أُحسّ وأصطلي، وهذا فرق ما بين الوجدان والبيان..
نظرتُ إليه بعد أن كتبته فإذا هو كلام البديهة فما أعسر أن تُلهب البديهة..
وإلى أن يصل الكلام إليكم أخشى أن تجدونه باردًا لا حرارة فيه.. وعلى أنّه كلام البديهة إلّا أنّه محتاجُ لذكي، ذكي قلب وشعور يُذكي الكلام في صدره ويزيد المعنى من نفسه.
دونكم:
1.1 الكلمة من المرء بعضٌ منه يخرج عنه، فإذا فارقت فاهُ صارت إلى الناس يتناقلونها فينقص منها الناقل ويزيد، ويُلبسها الرواي غير ألفاظها على ما فهم لا على ما أُريد، ويُسقط منها الناسخ حرفًا ويُصحّف آخر، حتى يبلغ الكلام وقد تغيّر عمّا كان عليه يوم قِيل.
هذا شأن نعرفه في حفظ الصدور وحفظ السطور على السواء، نعرفه في أشعار الأقوام التي حفظتها الرواة وتناقلتها، فنرى كم ضاع منها على سهولة حفظ الشعر، ونرى كيف نُحل قائلوه ما لم يقولوا، وكيف اختُلف في البيت الواحد أيُروى هكذا أم هكذا؛ وهو شأن نعرفه كذلك في كتب الأوّلين على اختلاف أممهم وطرق حفظهم وإسنادهم فنرى كيف أنها وصلت إلينا وقد عبثت بها الأيدي وتداولتها الألسن، فما من كتابٍ منها يُقطع بأنه باقٍ على وجهه الذي خرج به من صاحبه. هذه سُنّةٌ في كلام البشر لا يكاد يند عنها قولٌ، لأنه كلامٌ موكولٌ إلى حفظ الناس، وحفظ الناس عُرضةٌ للنسيان والهوى والخطأ.
1.2 فإذا تقرّر هذا في كل كلام عرفناه، وقفنا عند كلامٍ واحدٍ خرج من هذه السُّنّة ولم يجرِ عليه ما جرى على سواه، وهو القرآن. فإن كل كلمةٍ فيه هي كلمة الله، الإله الحقّ الواحد الأحد، الفرد الصمد، الأول الذي ليس قبله شيء، الآخر الذي ليس بعده شيء، الظاهر الذي ليس فوقه شيء، الباطن الذي ليس دونه شيء؛ وكلامه عز وجل ليس بكلامٍ مخلوقٍ يُنسب إليه، وإنما هو صفته تكلّم بها تكلّمًا يليق بجلاله، فالقرآن كلامه حرفًا ومعنىً، مُنزَّلٌ من لدنه سبحانه في علوّه غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
وقدر الكلمة -أي كلمة- بقدر قائلها، فأيّ قدرٍ لكلمةٍ قائلُها من لا يُشبهه شيء، ولا يُحيط بكُنه ذاته وصفاته إلا هو؟
ألا ماذا نقول وكل كلمة نقولها في وصف كلامه إنما هي منه وكل روح استعنّا بها على لفظ الكلام كانت نفثةً من نفثاته سرت في بني البشر منذ عهد أبيهم آدم وهي سارية فيهم إلى آخر الدنيا، فبها يكتبون كل هذا الكلام الذي أترع الوجود..
ألا كيف نقول وهو يقول جل جلاله: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ويقول تبارك اسمه:
﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾
أترى لو أنّ كل أشجار الأرض مذ مبدئ خلقها بكل أغصانها كانت أقلامًا كاتبة، وكانت كل هذه البحور التي تمدها البحور: مدادًا لكلمات الله_ ما نفدت كلمات الله!
فكيف يصف كلامنا المحدود المتناهي كلام من لا حد له ولا حد لكلامه!
سبحانك اللهم كل شيء يجوز عليه أن يُمدح بما هو فوق قدره، وأنت الأعلى الذي كل ثناء دونك.. سبحانك اللهم نريد أن نُثني عليك فلا نجاوز أن نذكرك ونعد صفاتك وكل ما سواك ليس في عين ذكرهِ مدح ولا ثناء.. سبحانك اللهم ما نقول إلّا ما ألهمتنا ومنتهى ما نُحسن هو ما علّمتنا، ينتهي بنا الكلام وينقطع ولم نجاوز أن نقول: هو الله..
رجع الحديث:
1.3 وهذا الإله الذي تكلّم بالقرآن لم تُحفظ له كلمةٌ يُقطع بثبوتها على وجهها سالمةً من التحريف في لفظها، إلا ما تولّى هو بمنّه وكرمه حفظَهُ بين دفّتي المصحف. فإن الكتب التي أنزلها على من قبلنا وكَلَها إلى حفظ أهلها، فنالها ما نال كلام البشر من الزيادة والنقصان وتبديل المواضع وتحريف الكلم، حتى لم يبقَ منها ما يُوثق بأنه كلامه الذي أنزله؛ أما هذا الكتاب فقد قال فيه قائله: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾، فجعل حفظه إلى نفسه لا إلى الناس، فلم يَكِله إلى صدورٍ تنسى ولا إلى سُطور تُمحى، وإنما حرسه بحفظه الذي لا يؤوده شيء، فبقي على القرون لا تنقص منه كلمةٌ ولا تُزاد فيه كلمة، يحفظه الصبيّ في كتّابه ومدرسته كما حفظه الأوّلون من أول ما نزل إلى أن يأذن برفعه، ويُتلى اليوم بحروفه التي نزل بها قبل أربعة عشر قرنًا، لم يعترِ لفظَه ما اعترى ألفاظ الكتب كلها.
July 4, 2026 127