رِوَاقُ المَعْرِفَةِ | عَبْدُاللهِ الفَهْد: post #1347 — TG.ME

والفرق بينه ﷺ وبين كل عظيم جاء بعده هوّ أنّ نبيّنا ﷺ سار على غير مثال يُحتذى وغير دليل يُقتفى إلّا نور الحق الباهر، ولذا كان ﷺ قد بلغ النهاية في الدعوة والنهاية في التنزيل على الوقائع والأحداث، وما من عظيم إلّا وفي سيرته ما يؤخذ عليه ويُغض عنه من أجل عظمته، وما من عظيم إلّا وقد تذرّع إلى العظمة بشيء من الهنات والزلات، حتّى العظماء الذين اقتفوا سيرته ﷺ.. وما من عظيم إلّا استعان في إجلال سيرته بما أقام عليها من الحُجب وبما باعد بينه وبين الناس وبما استتر بمظاهر الفراهة والأبهة أو بما طوى التاريخ من عيوبه ومناقصه، إلّا النبي الأعظم فليس في سيرته إلّا النور..
فما استعان بجلال يُطلب ولا باعد بينه وبين الناس، وإنما كان يخصف نعله ويُشق عليه في إصلاح الناس وحملهم على الخير.. ولم يكن يكره أن يطّلع الناس على خائنة منه لأنه لم تكن له خائنة، وكان الناس على خلاف عادتهم مع الأعيان والمملّكين والعظماء يروون كل صغيرة وكبيرة من شأنه ولا يتأثمون في إشهار ما يحتشمون من إظهار مثله من الناس، كانوا يتسابقون على الحجامة والنخامة وكانت عائشة رضي الله عنها تروي كيف يكون عند زوجاته، وكان ابن عمر رضي الله عنه يروي ما اطّلع عليه من هيئته ﷺ وهو يستتر في قضاء حاجته، وما كان هذا يزيده عند الناس إلّا تشريفًا وتعظيمًا لأنّ كل حالة من حالته دين ورجولة وكمال..


ثم ختمتُ السيرة وكنتُ ختمتها مرارًا، والعجيب المتكرر -ولا أدري كيف يجتمع التكرار والعجب- هو أنّه كلما اتجهت أحداث السيرة للختام بوفاة رسول الهداية ﷺ_ تجهّمت آفاق النفس واغبرّت، وانتحت شمسٌ فيها إلى الغروب واعترض بها توقيتٌ كالشفق.. فإذا المصيبة به بعد أكثر من ألف عام كمصيبة من أصيب به قبل ساعة، وإذا الحسرة على فوات لقائه عزاءٌ لكل فوات، ولكنّها حسرة ليس فيها عزاء.
👍2
August 7, 2026 112 1