نشاطات فضيلة الشيخ مجيد العقابي: منشور #5103 — TG.ME

أبو زيد امتلك شجاعة السؤال. وهذه خصلة أحترمها فيه. لكنه اندفع أحيانًا إلى لغة حادة في نقد خصومه. كما اندفع بعض خصومه إلى ما هو أخطر حين نقلوا الخلاف من الجامعة إلى المحكمة. بدأت أزمته في سياق فحص إنتاجه العلمي للترقية في جامعة القاهرة. ثم تحولت المعركة الأكاديمية إلى دعوى حسبة. وانتهت عام 1995 بحكم قضائي بالتفريق بينه وبين زوجته الدكتورة ابتهال يونس على أساس اتهامه بالردة. وغادر الزوجان مصر إلى هولندا بعد تهديدات طالت حياته. وعمل أبو زيد في جامعة لايدن. ثم شغل كرسي كليفرينغا المتعلق بالقانون والحرية والمسؤولية خلال عامي 2000 و2001. وبقي في أوروبا سنوات قبل أن يتوفى في القاهرة في الخامس من تموز عام 2010.

هنا ينبغي قول الحقيقة بلا مواربة: الفكر يُواجه بالفكر. والكتاب يُناقش بكتاب. والمنهج يُفكك بمنهج. أما نقل الباحث من قاعة الدرس إلى المحكمة بسبب تأويلاته فهو إعلان عن عجز المعرفة أمام السلطة. كان يمكن نقد أبي زيد من داخل علوم القرآن. وكان يمكن بيان مواضع الخلل في تصوره للوحي. وكان يمكن محاورته حول الفارق بين تاريخية الفهم وتاريخية النص. وكان يمكن مساءلته عن حدود الهرمنيوطيقا حين تتعامل مع كلام الله عز وجل. لكن التفريق القسري بينه وبين زوجته جعل قضيته أكبر من كتبه. وحوّل الباحث المختلف معه إلى رمز لحرية الفكر. وقدم له ما تعجز عنه دور النشر: شهرة عالمية صنعتها خصومة غير عاقلة.

ومن أبرز كتبه مفهوم النص. ونقد الخطاب الديني. وإشكاليات القراءة وآليات التأويل. والنص والسلطة والحقيقة. والتفكير في زمن التكفير. ودوائر الخوف. والإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية. وهكذا تكلم ابن عربي. وتكشف هذه العناوين عن ثلاثة محاور لازمته: النص. والسلطة. والتأويل. كان يريد تحرير النص من احتكار المؤسسة. لكنه خاطر أحيانًا بجعل القارئ شريكًا واسع السلطة في إنتاج المعنى. وهنا ينتقل الاحتكار من المؤسسة إلى المتلقي. وتتبدل الجهة ويبقى السؤال قائمًا: ما الذي يمنع القارئ من إسقاط أيديولوجيته على النص ثم تسميتها تأويلًا.

ميز أبو زيد بين التأويل المنتج وبين التلوين الأيديولوجي. لكنه لم يقدم دائمًا معيارًا حاسمًا يستطيع ضبط الحدود بينهما. فالقراء كلهم يدخلون إلى النص ومعهم تاريخهم ومصالحهم ومقدماتهم. وإذا أصبحت الموضوعية الكاملة متعذرة فما المعيار الذي يفصل القراءة العلمية عن العبث. اللغة وحدها لا تكفي. والسياق وحده لا يكفي. وتجربة القارئ وحدها لا تكفي. نحن نحتاج إلى شبكة من الضوابط تجمع اللغة والسياق ووحدة القرآن والبرهان العقلي والسنة الموثوقة وبيان أهل البيت عليهم السلام. عندها يصبح الاجتهاد حركة داخل المجال الدلالي للنص. لا حركة فوق النص.

أحسب أن أكبر إنجاز لأبي زيد أنه أجبر الفكر العربي المعاصر على مناقشة آليات القراءة بدل الاكتفاء بتبادل الأحكام. وأكبر نقطة ضعف في مشروعه أنه منح التاريخ واللغة وزنًا قد يضغط على البعد المتعالي للوحي. وأكبر مأساة في حياته أن خصومه اختاروا محاكمته بدل محاورته. وأكبر درس يمكن أن نتعلمه منه أن حماية الدين لا تتحقق بإغلاق الأسئلة. فالدين القوي لا يخاف من السؤال. والعقيدة الراسخة لا تحتاج إلى شرطة تحرسها من كتاب. والفكر الذي يملك الحجة لا يستدعي القاضي كي ينقذه من الباحث.

أنا لا أقرأ نصر حامد أبو زيد بوصفه إمامًا للتجديد. ولا أضعه في خانة خصوم الدين. أقرأه بوصفه باحثًا امتلك أسئلة جريئة وأدوات واسعة ونتائج متفاوتة. أصاب حين كشف بشرية الخطاب الديني. وتحتاج بعض أطروحاته حول النص والوحي والتاريخ إلى نقد معرفي وعقدي عميق. وقد دفع ثمنًا فادحًا لأن مجتمعاتنا تخلط بين الرد على الفكرة والتخلص من صاحبها.

هكذا فهمت نصر حامد أبو زيد: عقلًا أثار من الأسئلة أكثر مما قدم من الأجوبة. وباحثًا نبهنا إلى خطر احتكار النص. ثم ترك لنا مهمة أصعب: أن نحمي قداسة الوحي من احتكار المؤسسة ومن فوضى القارئ في وقت واحد. وأن نبني قراءة تجمع العقل والإيمان. والتاريخ والهداية. وحرية السؤال ومسؤولية الجواب.

مركز الفكر للحوار والإصلاح
الشيخ مجيد العقابي
30 /8/ 2026
❤3