نشاطات فضيلة الشيخ مجيد العقابي: منشور #5102 — TG.ME

هكذا فهمتهم (٢٥).

نصر حامد أبو زيد: حين تحولت القراءة إلى محاكمة

أضع نصر حامد أبو زيد بين المفكرين الذين يصعب المرور عليهم بهدوء. فهو يدفع قارئه إلى واحد من ثلاثة مواقف: الانحياز إليه. أو الخصومة معه. أو الدخول في حوار طويل مع أسئلته. أما الحياد الكامل تجاه مشروعه فيبدو أمرًا عسيرًا. لأن الرجل اقترب من أكثر مناطق الفكر الإسلامي حساسية. اقترب من النص القرآني. ومن طبيعة علاقته باللغة والتاريخ والثقافة. ومن الحدود الفاصلة بين الدين بوصفه وحيًا إلهيًا وبين الفكر الديني بوصفه جهدًا بشريًا في فهم الوحي.

ولد نصر حامد أبو زيد في العاشر من تموز عام 1943 في قرية قحافة بمحافظة الغربية في مصر. وجاء مساره العلمي من بيئة اجتماعية متواضعة. ثم درس اللغة العربية في جامعة القاهرة. واتجه في دراساته العليا إلى تحليل الخطاب القرآني والتراث التأويلي. تناول في رسالة الماجستير الاتجاه العقلي في التفسير عند المعتزلة من خلال قضية المجاز. ثم تناول في أطروحته للدكتوراه فلسفة التأويل عند محيي الدين بن عربي. وهاتان المحطتان تكشفان مبكرًا عن طبيعة مشروعه. فقد كان يبحث عن المسافة الواقعة بين النص والمعنى. وبين العبارة والتأويل. وبين ما يقوله النص وما يصنعه القارئ حين يحاول فهمه.

حين أقرأ مشروع أبي زيد أجد أن سؤاله المركزي كان يدور حول السلطة: من يملك حق الكلام باسم الدين. ومن يحدد المعنى النهائي للنص. وكيف يتحول اجتهاد بشري إلى حقيقة مقدسة تحاصر بقية الاجتهادات. لقد رأى أن الخطر يبدأ حين يذوب الفرق بين الوحي وفهم الإنسان للوحي. فالوحي عند المؤمن مصدر إلهي. أما القراءة فهي نشاط إنساني تدخل فيه اللغة والثقافة والمعرفة والمصلحة وموقع القارئ من السلطة والمجتمع. ومن هنا حاول أن يفصل بين الدين والفكر الديني. فالدين عنده يمثل النصوص المؤسسة. والفكر الديني يمثل ما أنتجه البشر في تفسير تلك النصوص واستثمارها وبناء المذاهب والمؤسسات والأحكام حولها.
هذه الفكرة تحمل جانبًا مهمًا من الصحة. فكثير من الصراعات التي عاشها المسلمون جرت بسبب تحويل الرأي إلى دين. وتحويل المذهب إلى النص نفسه. وتحويل الفقيه أو المفسر أو المتكلم إلى ممثل حصري لإرادة الله عز وجل. وعندما يفقد المجتمع القدرة على التمييز بين الوحي والتفسير يصبح نقد العالم نقدًا للدين. ويصبح الاعتراض على المؤسسة اعتراضًا على الله جل جلاله. ويتحول التاريخ البشري بكل صراعاته ومصالحه إلى عقيدة مغلقة. ومن هذه الناحية قدم أبو زيد أداة نافعة لكشف السلطة المختبئة خلف اللغة الدينية.

لكن مشروعه تجاوز أحيانًا حدود هذه الفكرة الصحيحة إلى نتائج تحتاج إلى مراجعة عميقة. فقد تعامل مع القرآن بوصفه نصًا دخل التاريخ من خلال اللغة العربية والثقافة التي نزل فيها. وهذا المدخل يساعد على فهم أسباب النزول والبيئة الدلالية وتحولات المفردة ووظائف الخطاب. غير أن توسيع هذا المدخل قد يحوّل التاريخ من مفتاح لفهم النص إلى سجن يحاصر دلالته. فالقرآن نزل في التاريخ لكنه يخاطب الإنسان بعد زمن النزول أيضًا. والسياق يكشف جانبًا من المعنى لكنه لا يستنفد طاقة الوحي ولا يملك حق إغلاق امتداده.

هنا يظهر الفارق بين النص الأدبي والوحي. فالقصيدة تخرج من تجربة بشرية. والرواية تنشأ داخل خيال مؤلفها. أما القرآن فهو كلام الله عز وجل نزل بلغة البشر كي يهدي البشر. ولغته العربية تمنحه قابلية الفهم والتدبر. لكنها لا تحوّل مصدره الإلهي إلى واقعة ثقافية منغلقة على شروط القرن السابع الميلادي. إن الجمع بين المصدر الإلهي والتلقي الإنساني يحتاج منهجًا يحفظ البعدين معًا. فلا يقطع الوحي عن التاريخ. ولا يذيب الوحي في التاريخ.
وهنا أرى أن التراث الإمامي يمتلك موارد معرفية كان يمكن أن تمنح مشروع أبي زيد توازنًا أكبر لو دخل معها في حوار جاد. فقد تعامل أهل البيت عليهم السلام مع القرآن بوصفه خطابًا حيًا متعدد المستويات. له ظاهر وباطن. وله محكم ومتشابه. ويُرد بعضه إلى بعض. وتُفهم دلالاته في ضوء مجموعه وفي ضوء بيان النبي محمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام. وهذه الرؤية تفتح باب التأويل لكنها تضع له ضوابط. وتعترف بتعدد طبقات المعنى لكنها تمنع القارئ من أن يجعل رغبته الشخصية حاكمة على النص.

وقد بنى العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي منهجه في الميزان على تفسير القرآن بالقرآن. أي التعامل معه كوحدة دلالية يشرح بعضها بعضًا. وهذه المنهجية تتفوق في جانب مهم على القراءة التي تبدأ من النظريات اللسانية الحديثة ثم تضع النص داخل قوالبها. لأن النظرية البشرية أداة قابلة للنقد. بينما ينبغي أن يبقى القرآن هو المركز الذي تختبر عنده الأدوات. نستعين بعلم اللغة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والتاريخ. لكننا لا نمنح أي علم منها سلطة مطلقة على الوحي.
❤1