#حلم_في_العدم
ضاع الطريق خلف ستار من حلم لم يكتمل.
في كل بيت عربي ثمة غرفة لا تفتح للضيوف، ولا ينام فيها أحد، ولا يخزن فيها شيء. يسمونها "غدًا".
على جدارها يعلو الغبار شهادة صفراء بتاريخ بعيد، وتتدلى بدلة عمل لم تلامس كتفًا، وحقيبة سفر لم تفك شفرتها، وكومة رسائل وظائف باتت شواهد صمت.
كنا صغارًا نقسم لأنفسنا: إذا اجتهدنا وتعلمنا وسهرنا على الكتب، سينصفنا الغد.
فحفظنا، ونجحنا، وتخرجنا، ثم وقفنا فجأة أمام جدار لم نبنه نحن.
ظروف أوطاننا وضعتنا على رصيفٍ اسمه "قريبًا"، ومرت القطارات كلها دون أن تلتفت إلينا.
حين ضاقت الأبواب، صارت الهجرة عند كثير من الشباب ليست اختيارًا بل تنهيدة طويلة.
ردة فعل على يأس منظم، وعلى مائة طرقة على أبواب لم تفتح، وعلى حلم كبرنا وهو يكبر معنا، ثم تقلص شيئًا فشيئًا حتى صار بحجم ظرف بريد مرتجع.
واليوم يجلس كثيرون في المقاهي. لا يشربون القهوة بقدر ما يشربون الوقت، بمرارة وغضب مكتوم.
ويهمس أحدهم لنفسه: "مر يوم آخر من عمري، وما زلت في مكاني".
هذه ليست كتابة عن البطالة.
هذا رثاء لحلم لم يمت مرة واحدة، بل يموت كل صباح على مهل، موتًا هادئًا لا ضجيج فيه.
أي جدوى لأن ندرس ونجتهد ونكابد ونصبر، ثم لا نجد في آخر الطريق إلا وجعًا لا ينتهي؟
في أوطاننا أحيانًا لا يكرم العلم، بل يدفن. وكلما حاول الشباب أن ينهضوا بهذا الوطن، أعادتهم أياد غليظة إلى الثرى.
لكن رغم كل هذا، ما زال في "غرفة الغد" متسع لنافذة.
وما دام الحلم يموت كل يوم، فهذا يعني أنه ما زال يتنفس.
وفي يومًا ما سنعيد ترتيب الأوراق القديمة، ونلبس البدلة التي انتظرت، ونفتح الحقيبة التي سئمت الإغلاق، ونكتب على باب الغرفة كلمة جديدة: "اليوم".
اليوم الذي نزرع فيه ما بقي من حلمنا، واليوم الذي يصبح فيه الوطن وطنًا لنا، لا غرفة ننتظر الإذن لنخرج منها..
#رؤى_المخلافي
7August 23, 2026 83 2