أنتم خائفون، هكذا يريدكم نتنياهو
المصدر: يديعوت أحرونوت
بقلم: أمير بوغان
👈إن بعضنا لا يعرف، أو ربما نسيَ كيف ترسخت عبارة "إنهم خائفون" في لغتنا اليومية. لقد وردت هذه العبارة في خطاب نتنياهو الانتخابي في سنة 1999، في سياق تحدّيه إيهود براك وأنصاره؛ أمّا اليوم، وبعد مرور ما يقارب الثلاثين عاماً، لا تزال لازمة "إنهم خائفون" تتردد، على الأرجح، في مكتب رئيس الحكومة، استعداداً للانتخابات المقبلة، لكن هذه المرة، يُهمَس بها خلف الكواليس كمؤامرة دعائية، خلال اجتماعات الحملة الانتخابية مع أوريخ وبقية المستشارين هذه المرة، تستهدف عبارة "إنهم خائفون" مواطني إسرائيل، وكل شخص منا، ومخاوفنا التي نواجهها جميعاً منذ السابع من أكتوبر،على المستويَين الفردي والجماعي. تنطلق الخطة من افتراض أننا خائفون، وإذا كنا استعدنا عافيتنا، على سبيل المصادفة، بعد أن أمطرونا بأمجاد المعارك والثقة بالنفس طوال أعوام، فلا بد من إخافتنا مجدداً؛ يجب حقن عروقنا بالقلق، بجرعات أكبر وأكثر كثافةً من أيّ وقت مضى
• إن الخوف سلعة أساسية مأخوذة مباشرة من كتاب الحيل السياسية لميكافيللي، واستُخدم أيضاً على مرّ السنين لتحريك التركيبة الأيديولوجية المعروفة باسم الفاشية؛ فالقلق الوجودي من الأعداء في الخارج والخوَنة في الداخل، إلى جانب وهم القائد القوي الذي سيتصدى لهم ويغذي الجماهير بالفخر القومي، هي المواد القابلة للاشتعال التي تحرّك الجماهير. هكذا كان الأمر في ألمانيا قديماً، وفي روسيا اليوم أيضاً. يجري التلاعب بهذه الدينامية أمام أعيننا، عبر دعاية انتخابية محمومة وشبكات التواصل الاجتماعي. فمنذ ذلك اليوم المشؤوم، غيّرت صدمة ما بعد الكارثة الحمض النووي للمجتمع الإسرائيلي، وهي تطفو على السطح، مراراً وتكراراً، في نشرات الأخبار، وفي شبكات التواصل الاجتماعي، وفي الكوابيس. ربما يبدو الأمر غير منطقي، لكن بثّ الذعر في نفوس الجمهور يخدم مصلحة نتنياهو من الناحيتين النفسية والإدراكية، على الرغم من أنه يتحمل مسؤولية كبيرة عن الإخفاقات التي أوصلتنا إلى الأزمة الراهنة.
• إذاً، "إنهم خائفون"، وهناك كثير ممّا يمكن استغلاله، لكن ثمة مشكلة هنا؛ فعلى مدى أعوام، عمل رئيس الحكومة وشركاؤه في اليمين على ترسيخ الإيمان، عبر الصلوات والأغاني والخطب، بأن "الشعب الأبدي لا يخاف". لطالما استند نتنياهو إلى الشعور بالقوة الذي يجسده كقائد قوي لشعب قوي. إنها خلطة من الفخر القومي، والشعور بالتفوق، ونشوة القوة، على غرار مقولة "لن تنتصروا عليّ مطلقاً". منطقياً، لا يمكن التوفيق بين هذا الخطاب وبين القول إن إسرائيل تواجه تهديداً واضحاً ووشيكاً، بينما هي في الوقت نفسه، في أوج قوتها، وعلى بُعد خطوة من تحقيق "النصر المطلق". لا توجد منطقة وسطى، فالوسط لا يخدم المصالح الانتخابية؛ إنها حالة اضطراب في الشخصية الجماعية، ولا يبدو كأن في الائتلاف الحكومي مَن يمتلك المؤهلات اللازمة لمعالجتها، بصفته اختصاصياً نفسياً؛ اختصاصيون نفسيون! حتى جراح الأعصاب لن يتمكن من لصق هذين المتناقضَين معاً: فص الثقة بالنفس والشعور بالأمان، وفص القلق الوجودي. لسنا بحاجة إلى الذكاء الاصطناعي لكي نفهم أن هذين المتناقضَين، في هذه الحالة، لن يؤديا إلى عملية جمع منطقية.
👈القلق لا يخضع للمنطق، أمّا السياسات، فيجب أن تخضع له
• مع ذلك، لا يزال هناك مَن يواصل بثّ الرعب، عبر نبش الجروح وإضعاف جهاز المناعة، وفي المقابل، يقدم لنا أدوية لرفع المعنويات وتعزيز الفخر القومي. إنها مواد تغيّر الوعي، وربما تؤثر في بعضنا، لكنها لا تقدم أيّ حل عقلاني، أو عملي، أو ميداني. إن التهديد بتكرار سيناريوهات الرعب مستقبلاً هو محفّز يعيد تنشيط تجربة الصدمة القتالية التي نعيشهاكان السابع من أكتوبر الحلم الذي راود يحيى السنوار، لكننا لم نكن نتخيل أن تحقيقه ممكن حتى في أشد كوابيسنا. لقد اعتقدنا، بحُسن نية، أن هناك مَن يتصور إمكان وقوع مثل هذا السيناريو ويستعد لمنعه. لم يفاجأ أحد بأن "حماس" وأمثالها يسعون لذبحنا، لكن الصدمة الكبرى تمثلت في الانهيار الشامل للمنظومة الأمنية أمام مسلحين ينتعلون "النعال، ويحملون الكلاشينكوفات ويتنقلون في شاحنات صغيرة." بحسب ما قال أحدهم ذات مرة. وهذه مسؤوليتنا نحن.
• على غرار ما حدث في ألمانيا وروسيا، كذلك الأمر في غزة؛ فالخوف والعجز والفقدان هي المواد الأساسية التي تغذي التنظيمات الإسلامية وأوساطاً من الفلسطينيين أيضاً؛ يحيى السنوار وحسن نصر الله وأمثالهما يمجّدون الفخر القومي والإيمان الديني المتشدد، من أجل منح أنصارهم آمالاً زائفة بتطهير الأرض المقدسة من الكفار والانتقام لمقتل أقاربهم. إنه وعد فارغ بتحقيق رؤية مسيانية قديمة مستوحاة من الله، وليس من الواقع.
#يتبع
