٢٩ أغسطس يوم إعدام الشهيد سيد قطب
ذكريات كثيرة جدا حول الرجل العظيم
فيلته بشارع حيدر باشا بحلوان بجوار عمارتنا
للأسف الذي قبض عليه وفتش بيته كان خالي مفتش مباحث حلوان
وكنا نرتعب من هذا البيت وممن يسكن به
عام ١٩٦٥م كانت نساء مصر أغلبهن سافرات ولم تكن ثمة محجبة الا امرأة ريفية حديثة عهد بالقرية
ولكن كانت هناك سيدتان تخرجان من فيلا سيد قطب يلبسا ملابس غريبة .. بالطو يشبه ما تلبسه المغربيات اليوم وبنطلون و حجاب ونظارة شمسية تخفي معالم وجهيهما وتزيدهما مهابة وغموضا
أشاع الناس ساعتها أن هذا الرجل المرعب المنعزل في بيته كان يتآمر علي جمال عبد الناصر وكان يخطط لقتل أم كلثوم وذبح شادية وعبد الحليم حافظ
ولذلك فقد كنا كلما رأينا أحدي السيدتين تخرج من الفيلا ..نجري وراءها ونهتف بسذاجة الاطفال.. العفريتة أهي.. العفريتة أهي
أول صدمة بدأت تغير تفكيري عندما كنا نلعب البلي في الشارع أمام الفيلا
وكنا نجمع البلي في نقرة عبارة عن موضع لمحبس البلدية وبينما كلنا جلوس حول النقرة نخرج البلي الذي جمعناه بالحفرة
.
رأينا سيدة من بيت سيد قطب تقف فوق رؤوسنا
هرول الأطفال مرتعدين وهم يصرخون العفريتة..العفريتة
بينما تسمرت أنا في موضعي من المفاجأة وربما حياء من الفرار أو هو الفضول
فوجئت بالسيدة تبتسم في لطف وود..وتقول
تعالوا يا حبايبي لاتخافوا..تعالوا
وفتحت حقيبة يدها وأخرجت كبشة من الفندام الملون
لست أدري هل يعرف الجيل الجديد الفندام أم لا كان ملبس بدون ورق يغلفه وكنا نشتريه من كانتين المدرسة الخمسة بتعريفة
بدأت السيدة توزع علينا الفندام والأطفال يقتربون ويحيطون بها وقد مدوا أيديهم يتسابقون
أنا يا طنط ..أنا ما أخدتش ياطنط..والسيدة تضحك وتخرج المزيد وتقول ..حاضر يا حبايبي كلكم هتاخدوا
كان الموقف عجيبا وغريبا ومفاجىء لطفل في عمري ملأت رأسه أفكار مخيفة عن البيت المغلق
طلعت البيت وكانت والدتي بالمطبخ تعد الطعام
فقلت لها ..ماما ..الست المتغطية اللي في فيلا سيد قطب خرجت النهاردة واحنا بنلعب ووزعت علينا كلنا فندام
قالت أمي ..وشكرتها والا لا؟
فقلت أشكرها ازاي مش الست دي وحشة وكانوا عاوزين يذبحوا شادية وعبد الحليم حافظ .. احنا كل لما بنشوفها كنا بنجري وراها ونقول لها ..العفريتة أهي أهي
فنهرتني أمي قائلة مش عيب كده ..تشتموا الناس ؟؟
فقلت مش هما وحشين فاقتربت مني وقد وضعت يدها علي فمي قائلة
عيب ما تقولش علي الناس كده وإياك تتكلم في الموضوع ده تاني
الحقيقة زادت حيرتي أكثر أمي لم تهاجمهم ولم تدافع عنهم ..نهرتني عن الإساءة لهم فقط
بعد سنوات وأنا في ثانية اعدادي كنت في زيارة لأحد أصحابي في المدرسة
جلست في صالون بيتهم وذهب لاحضار الشاي لنا
كانت هناك مكتبة ضخمة علي الحائط فلمحت ستة مجلدات بعنوان في ظلال القرآن ولفت نظري اسم سيد قطب
فتعجبت أكثر كيف يحتفظون بكتاب لمثل هذا الرجل السفاح المرعب الذي كان يريد ذبح شادية وعبد الحليم
مددت يدي من باب الفضول وتناولت المجلد الأول
وبدأت في قراءة المقدمة وهنا حدث لي ما غير تفكيري وتصوراتي وربما مجري حياتي
رغم صغر سني وقلة ثقافتي ولكن كلمات الرجل هزتني..والله لقد دخل صاحبي وهو يحمل صينية الشاي فوجدني وأنا ارتعد
جسمي كله ينتفض من الانفعال بالكلمات التي لم أقرأ مثلها من قبل
خطورة ما كتبه سيد قطب في مقدمة الظلال
أنه لا يفسر القرآن ولا يشرح موضوع دين
انه يقول أشياء كانت في صدري وأنا أقرأ القرآن ولكن لم أستطع التعبير عنها
الرجل كان يكتب بوضوح وبساطة ما كنت أشعر به بالضبط فكأنه ترجمان يعبر عما في نفسي
كانت هذه اللحظة نقلة درامية في حياتي
استأذنت من صاحبي استعارة المجلد
وبدأت أعيد وأزيد في مقدمته
الحياة في ظلال القرآن ترفع العمر وتباركه وتزكيه
انك تشعر أن الله يخاطبك انت وحدك
الناس يلهون لهو الاطفال وأنت فوق قمة شامخة
معاني تخاطب القلب والوجدان
الدرس الذي تعلمته
الدرس المهم
مهما كانت دعاية الباطل مغرضة
مهما كان التشويه ملحا ومؤثرا ومتكاملا
تأتي لحظة مواجهة الحقيقة فينكشف الصدق ويبزغ الحق وتنهار سريعا دعاوى الباطل وزيفه مهما طغى وبغى وفرض نفسه
الله يرحمك يا عم سيد قطب
ويرحم السيدة الحكيمة الكريمة التي قابلت اساءتنا بالعطاء وواجهت حجارة الصغار المغررين بقطع من الفندام الحلو
الدكتور علاء الدين عباس
#ذكرى_استشهاد_سيد_قطب
https://t.me/drwasfy
21August 29, 2026 862 10