[اسْتِحْبابُ اجْتِماعِ العائِلَةِ عَلى مائِدَةٍ واحِدَةٍ]
لَقَدْ أَوْلَى الإِسْلامُ تَرابُطَ الأُسْرَةِ اهْتِمامًا بالِغًا، وَجَعَلَ التَّقارُبَ بَيْنَ أَفْرادِهَا عِبادَةً يُثابُ عَلَيْها المَرْءُ.
فَفي ظِلِّ تَسارُعِ وَتيرَةِ الحَياةِ المُعاصِرَةِ، وَخاصَّةً في هٰذا الزَّمَنِ الّذي تَزْدادُ فيهِ الوَسائِلُ وَالعَوامِلُ الَّتِي تُضْعِفُ هَذِهِ الرَّابِطَةَ، كَانْشِغالِ بَعْضِ أَفْرادِ الأُسْرَةِ الكَريمَةِ بِالشَّاشاتِ الرَّقَمِيَّةِ وَالهَواتِفِ الذَّكِيَّةِ مِنْ جِهَةٍ، وَتَأْثيرِ الثَّقافاتِ الدَّخيلَةِ على المُجْتَمَعاتِ الإِسْلامِيَّةِ وَالّتي بِدَوْرِها قَضَتْ على الجانِبِ الرُّوحِيِّ وَالمَعْنَوِيِّ لَدَى أَبْناءِ المُجْتَمَعِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَالإِنْشِغالاتِ الأُخْرَى الّتي تَرَكَتْ بِصَماتِها على طَبيعَةِ العَلاقَةِ بَيْنَ أَفْرادِ الأُسْرَةِ الواحِدَةِ.
مِنْ هُنا يَبْرُزُ اسْتِحْبابُ اجْتِماعِ الأُسْرَةِ كَضَرورَةٍ مُلِحَّةٍ لِحِمايَةِ النَّسيجِ الأُسَرِيِّ مِنَ التَّفَكُّكِ وَالجَفاءِ.
فَالمُجْتَمَعُ المُتَفَكِّكُ يَعودُ سَبَبُهُ إلى تَفَكُّكِ الأُسْرَةِ.
وَقَدْ عالَجَ الإِسْلامُ هَذِهِ القَضِيَّةَ بِإِدْخالِها ضِمْنَ بَرامِجِهِ التَّرْبَوِيَّةِ وَالإِرْشادِيَّةِ.
فَكُلَّ مُجْتَمَعٍ يُبْنَى على قَواعِدَ لا تَتَّصِلُ بِالسَّماءِ، فَإِنَّهُ لا يُفْلِحُ وَلا يَسْتَشْعِرُ الهَناءَةَ قَطّ.
فَعَنْ رَسولِ اللّٰهِ - صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - أَنَّهُ قالَ:
[مَا مِنْ رَجُلٍ يَجْمَعُ عِيالَهُ، ثُمَّ يَضَعُ مائِدَتَهُ، فَيُسَمُّونَ اللّٰهَ تَبارَكَ وَتَعالَى أَوَّلَ طَعامِهِمْ، وَيَحْمَدونَ اللّٰهَ تَعالَى في آخِرِهِ، إِلَّا لَمْ يَرْفَعِ المائِدَةَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ حَتَّى يَغْفِرَ لَهُمْ] "١".
وَعَنْهُ - صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ -:
[أَحَبُّ الطَّعامِ إِلى اللّٰهِ، ما كَثُرَتْ عَلَيْهِ أَيْدي المُؤْمِنينَ] "٢"
وَعَنْ أَميرِ المُؤْمِنينَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أَنَّهُ قالَ: أَكْثَرُ الطَّعامِ بَرَكَةً ما كَثُرَتْ عَلَيْهِ الأَيْدي "٣".
لَكِنْ، وَلِلْأَسَفِ، إِنَّ هَذِهِ السُّنَنَ الحَسَنَةَ بَدَأَتْ تَغيبُ عَنْ مُجْتَمَعاتِنا الإِسْلامِيَّةِ شَيْئًا فَشَيْئًا،
فَنَرَى بَعْضَ الأَبْناءِ يَتَناوَلونَ طَعامَهُمْ عَلَى انْفِرَادٍ، دونَ الأَبَوَيْنِ فَلَا يُجالِسونَهُما، وَيُعَدُّ هٰذا مِنَ التَّفَكُّكِ الأُسَرِيِّ.
وَلا شَكَّ أَنَّ اسْتِبْدالَ هَذِهِ القِيَمِ الحَسَنَةِ بِغَيْرِها يُوجِبُ رَفْعَ البَرَكَةِ عَنِ الأُسْرَةِ،فَالجُلوسُ عَلَى مَائِدَةٍ واحِدَةٍ لا يَعْني المُشارَكَةَ في الطَّعامِ فَقَطْ، وَإِنَّما هُوَ تَمْتِينٌ لِلرَّوابِطِ الأُسْرِيَّةِ أَيْضًا.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسولَ اللّٰهِ - صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - فَقالَ: "يا رَسولَ اللّٰهِ، إِنَّا نَأْكُلُ وَلا نَشْبَعُ". قالَ: "لَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقونَ عَنْ طَعامِكُمْ، فَاجْتَمِعوا عَلَيْهِ، وَاذْكُروا اسْمَ اللّٰهِ عَلَيْهِ، يُبارِكْ لَكُمْ فِيهِ". "٥"
انْظُروا أَيُّها الأَحِبَّةُ ما لِاجْتِماعِ الأُسْرَةِ مِنْ بَرَكَةٍ حَتَّى عَلَى بَدَنِ الإِنْسانِ.
جَعَلَنا اللّٰهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ
الّذينَ يَسْتَمِعونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعونَ أَحْسَنَهُ.
وَآخِرُ دَعْوانا أَنِ الحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ العالَمينَ.
***
١-الجعفريات /ص ١٦٠
٢- كتاب الأخلاق/١٩٦٩٠
٣-دعائم الاسلام/ج٢-ص١٦-ح٣٧٨
٤-البقرة/٦٤
٥ ـ مكارم الأخلاق ص ١٤٩
September 5, 2026 42 1