كتابات ديك الجن: post #7594 — TG.ME

كتبت هذا المقال منذ فترة، ثم ترددت في نشره لأسباب عديدة، منها أنّني اعتقدت أنّّ سياقه غير مناسب.. ثم جاءت هذه الأحداث التي نعيشها الآن فأيقنت أن هذا هو وقته.. وهذا هو سياقه.

****^

“لولا خيانة الوزير الشيعي ابن العلقمي لما سقطت بغداد في يد المغول"

هذا المنشور ذو اللهجة الهوليودية، قد مرّ على الكثير منّا بصورة أو بأخرى في وسائل التواصل، والهدف منه -كما هو واضح- الطعن في الشيعة، وتصويرهم على أنّهم خونة للأوطان والأمَة.. وبعيداً عن هذا النفس الطائفي المقيت، فلسببٍ ما وفي ليلةٍ ما، استوقفني ذلك المنشور.. وقررت أن أقرأ أكثر عن ابن العلقمي هذا وخيانته.. ومن هنا بدأت رحلة شخصية في أعماق التاريخ..

بدأت طبعاً كما أي قارىء للتاريخ، بقراءة ما كتبه المؤرخون المسلمون، وهم سنَة على الأغلب.. فوجدتهم يكيلون لابن العلقمي هذا، شتّى أنواع الشتائم ويصفونه بأقبح الصفات، ويتّهمونه بأنّه تواصل سرّاً - من وراء الخليفة المستعصم- مع هولاكو، وشجّعه على غزو بغداد لتدمير الخلافة العبّاسية، بحيث يجلس هو وجماعته من الشيعة في كرسي الحكم.. وبالتالي يحمّلونه مسؤولية سقوط بغداد بيد المغول والمجزرة التي تلتها وانهيار الخلافة وما إلى ذلك..

وهذا بالضبط ما حدث معي، حيث أشارت كل المصادر إلى خيانته، وكنت على وشك الاقتناع التامّ بهذا الأمر حتّى لمحت أحداً يقول أن هنالك مؤرّخاً يدعى رشيد الدين الهمذاني، مدح الرجل!! فبحث عن رشيد الدين هذا، ليتّضح لي أنّه كان مؤرّخ المغول أنفسهم ورئيس وزرائهم في عهد الاليخانات (ما بعد هولاكو).. وأنّه كان مسلماً وكتب كتاباً يؤرّخ المغول وسيرتهم وسلاطينهم، واسم الكتاب جامع التواريخ! وهنا بدأت رحلة البحث عن هذا الكتاب!

وجدت الكتاب بترجمة عربية وتقدمة من مستشرق ومؤرخ فرنسي يدعى كاترمير.. فقرأته كلّه (أو الجزء الذي عثرت عليه منه" وفيه يتحدّث الرجل (رشيد الدين - وزير المغول) أنّ غزو بغداد لم يكن مخطّطاً له من البداية، وأنّه كان هنالك تخوّفات من ذلك.. لكن حماقة الخليفة العبَاسي نفسه (المستعصم) ورسائله المستفزة إلى هولاكو، هي ما أجج الحرب ودفع هولاكو لغزو بغداد.. وأنّ ابن العلقمي - بخلاف ما يقوله المؤرخون المسلمون - حاول إنقاذ بغداد والتصالح مع هولاكو، لكن الخليفة رفض ذلك..

فوقر في قلبي أنّ الرواية السائدة قد لا تكون هي الحقيقية، وهو ما يتّفق مع المنطق، ووقائع الأحداث.. فلو كانت الدولة العبَاسية قويّة فلن يضيرها خيانة شخص واحد مهما كان! أضف إلى ذلك أنّ سقوط بغداد كان مهيناً بالفعل! فبغداد فعلياً لم تقاوم، بل استسلمت.. والجيش بنفسه بقيادة وزراء المستعصم ذهبوا مستسلمين وبدون أسلحة، إلى معسكر هولاكو ليتم ذبحهم كالنعاج، بل إنّ الخليفة نفسه استسلم وذهب إلى معسكر هولاكو ليقتل هو الآخر دوساً بسنابك الخيل (خاف هولاكو من شؤم سفك دم الخليفة كون نسبه يمتد لآل هاشم، عائلة النبي عليه السلام)..

حين وصلت إلى هنا في رحلتي التاريخية، أيقنت بنسبة كبيرة أن سقوط بغداد لم يكن بسبب خيانة ابن العلقمي كما يشاع، بل إنّها كانت نتيجة حتمية لاستبداد خلفاء أو ملوك بني العبّاس بالحكم.. وتوريثهم السلطة لبعضهم البعض بغضّ النظر عن كفاءة الشخص.. المهمّ أنّه من نسل العبّاس.. أو البيت العبّاسي الشريف كما كان يعرف.. مما أدّى في النهاية إلى تآكل الدولة وتهدّمها.. بحيث لم يعد يمتلك الملك (الخليفة) العبّاسي سوى بغداد ليحكمها.. بل إنّ الموصل نفسها وأميرها بدر الدين لؤلؤ ساهم في الهجوم على بغداد مع المغول!

وفي نهاية رحلتي التاريخية، وجدت من يتّهم رشيد الدين هذا باليهودية، ويدافع عن الخليفة المستعصم ويحيل المهتمين لقراءة كتاب تاريخي بعنوان التواريخ وعيون السير لمؤرخً اسمه ابن أنجب الساعي، ممن عاصر الخليفة وسجَل يومياته، فقلت ربّما هم على حق! ولعلّ ابن الساعي هذا يكون لديه القول الفصل، فبحث عن الكتاب ووجدته.. ولدى تصفّحه
قرأت حادثتان في غاية البؤس، أيقنت معهما أنّ ما وصلت إليه في البداية كان صحيحاً..

والحادثتان اللاتي ذكرهما المؤلف، أنّ رجلاً تكلّم في الخليفة بكلام، فتمّ قتله! والثانية أن وزيراً للخوارزميين، كان يدعى نظام الملك، زار بغداد ورفض "تقبيل" العتبة العبّاسية (التي لا أعلم ما هي) فتّمت إهانته وضربه.. وقبّلها رغماً عنه..

لكن السؤال هنا وبعد كل هذه الرحلة.. إذا كانت هذه هي الحقيقة التاريخية.. فلماذا لم يذكرها المؤرّخون المسلمون بهذه الدقّة؟ ولماذا لم يشيروا بأصابع الاتّهام مباشرة للخليفة (الملك العبّاسي) واستبداده هو وأسرته بالحكم، الذي أدّى في نهاية المطاف لسقوط نصف مليون مسلم قتلى على يد المغول في أقل تقدير؟ ولماذا يحمّل كل هذا الوزر لشخص الوزير؟
October 16, 2023 3.6K 7