كتابات ديك الجن: post #7591 — TG.ME

الأصل في العلم أنّه يقتل الأسئلة المتكررة.. هذه وظيفته الأساسية.. بمعنى، أنّه عندما يقوم المعلّم في المدرسة بتعليم طلّابه جدول الضرب، وطريقة ضرب رقمين ببعضهما البعض، فهو هنا يقتل كلّ أسئلتهم المتكررة بهذا الخصوص.. تسعة في ستة كم يا أستاذ؟ سبعة في خمسين كم؟ وهكذا..

من هذا المدخل البسيط، أقول أنّ هنالك مفهوم عقلي بسيط، لو فهمه المسلم بوضوح ، سيجيب لوحده على كثير من الأسئلة المحيّرة والمشتبهة المتعلّقة بالدين.. والتي تطرح بشكل شبه يومي.. والمفهوم ببساطة هو إدراك لطبيعة العلاقة بين القانون والشريعة.. وأين يتقاطعان وأين ينفصلان.. وللوصول إليه، يجب فهم وظيفة كلّ منهما..

الشريعة لها وظيفتان، الأولى هي تنظيم التعاملات بين أفراد المجتمع، سواء كانت ماليّة، اجتماعية، أو حتّى عدوان أحدهم على الآخر.. كما في الميراث، الزواج والطلاق، الحدود والعقوبات، الخ.. والنصوص الشرعية بهذا الخصوص جاءت بشكل واضح ومفصّل بأرقام ونسب وأعداد، وفيها كلّها نفس قانوني أصلا.. (عدالة)

الوظيفة الثانية للشريعة، هي تزكية شخصية الفرد عبر مجموعة من الأوامر والنواهي.. كأمور الصلاة والصوم، والحج، ودفع زكاة المال، والامتناع عن شرب الخمر ولعب القمار وأكل الربا، وصولاً لارتداء الحجاب وغيره.. وهنا جاءت اللغة وعظية.. وتحمل معها بشرى لمن التزم بها، ووعيد أخروي لمن تركها.. لكن بدون نصوص قانونية أو عقوبات دنيوية.. فما عقوبة تارك الصلاة؟ شارب الخمر؟ مانع الزكاة؟ لا يوجد.. (تزكية مع حرّية شخصية)

القانون البشري بدوره، مهتمّ بأمور كثيرة.. منها تنظيم علاقة الناس ببعضهم البعض.. وعلاقتهم مع الدولة.. ومع الموارد العامَة، الخ.. وهنا ندرك ببساطة شديدة أين يتقاطع القانون البشري مع الشريعة؟ تماماً.. في جزئية تنظيم علاقة الناس بعضهم ببعض.. أي على سبيل المثال.. توفّى فلان وترك وراءه ثروة كبيرة وعدداً من الورثة.. فماذا يفعل القانون هنا كي لا يظلم الورثة بعضهم البعض؟ يلجأ للشريعة.. ماذا تقولين يا شريعة؟ أقول كيت كيت.. يطبّق القانون ما تقوله الشريعة.. وهكذا..

هذا باختصار هو المفهوم.. لكن كيف نعمّق فهمه ونستوعب تطبيقاته؟ عبر الأسئلة..

١- هل يحقّ للدولة الإسلامية فرض الحجاب؟

- إطلاقاً.. لا يحقّ لها ولا ينبغي لها.. القانون الإسلامي متعلّق فقط بتنظيم الشؤون المشتركة للناس.. أمّا العبادات الفردية، كالحجاب والصلاة والزكاة والحج والصيام حتّى.. فلا حقّ للدولة بفرضها على أحد.. ولا مراقبة تطبيقها.. لها فقط - بل وواجبها -تسهيل هذه العبادات على الناس عن طريق بناء المساجد، تسهيل الحج والزكاة وغيره..

٢- لكن الحجاب فرض على كلّ مسلمة بالغة عاقلة..

- هو فرض على الفرد.. يثاب إن فعله، ويأثم لو تركه.. لكن هذا يحدث أمام الله.. أمًا الدولة فليس لها علاقة بإجبار النساء على لبس الحجاب.. الدولة كممثّل للمجتمع، وكذراع تنفيذي له، لها أن تفرض بقوّة القانون نوعاً من الاحتشام في المجال العام.. كون الملابس الفاضحة مثلاً تؤذي مشاعر الآخرين.. فتتدخّل الدولة هنا لإدارة شؤون الناس بعضهم ببعض.. وليس لفرض الحجاب على كلّ فرد..

٣- بنزع كل هذه الصلاحيات من الدولة الإسلامية.. ماذا بقي من مظاهر للمجتمع الإسلامي؟

- أوًلاً، لم تكن هذه الصلاحيات الظالمة أصلاً حقًاً للدولة لننزعها منها.. بل هي إضافات مشوّهة من أناس متطرًفين.. يهيأ لهم أن خلق مجتمع صالح يتمّ بالإجبار.. وثانياً وهو الأهمّ، بقي جوهر الإسلام الحقيقي المغيّب ؛ العدل، الحرّية والرقابة الذاتيّة..

ختاماً، لعلّ هذا المقال البسيط يفسّر لك لماذا ملايين المسلمين حول العالم يحلمون بالحياة في أوروبا، برغم وجودهم في مجتمعات مسلمة، معظم رجالها يصلّون ومعظم نسائها محجّبات!! ببساطة، لأنّهم يفتقدون جوهر الإسلام الحقيقي.. العدل والحرّية..

وشكراً..

ملاحظات :

١- استباقاً للتذاكي، فحدّ شرب الخمر بثمانين جلدة غير موجود في القرآن الكريم ولا الحديث الشريف.. بل هو اجتهاد من عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما..

٢- هذه الكلمات مهداة لروح الفتاة الإيرانية مهسا أميني، التي توفّيت اثر اعتداء "شرطة الأخلاق" عليها في طهران، لعدم ارتدائها الحجاب بصورة مناسبة.. ولكل ضحيّة عانى/ت من خطل أولئك الناس..

٣- الصفحة مبرمجة على أن من يعلِّق بقوله "خليك باللي بتفهم فيه" ستردّ عليه بشكل تلقائي "خليك إنت باللي بتفهم فيه"
October 5, 2023 6.1K 9 14