14- كُتِبَ الموتُ على الخلقِ فكم
فلَّ من جَمْعٍ وأفنى من دُوَلْ
15- أينَ نَمْرودُ وكَنْعانُ ومَن
مَلَكَ الأرضَ وولى وعَزَلْ؟!
16- أينَ عادٌ أينَ فِرْعونُ ومَن
رَفَعَ الأهرامَ مَن يَسْمَعُ يَخَلْ؟!
17- أينَ مَن سادوا وشادوا وبنوا
هَلَكَ الكُلُّ فلم تُغْنِ القُلَلْ؟!
18- أينَ أربابُ الحِجا أهلُ النُّهى
أينَ أهلُ العلمِ والقومُ الأُوَلْ؟!
19- سيُعيدُ اللهُ كُلًّا منهمُ
ويُجزي فاعلًا ما قد فعلْ
اللغة:
فل: ثلِمْ، وسيفُ مفعولٍ: مثلُوم.
نَمْروذ: بالذالِ معجمةٍ ومُهملةٍ، نَمْرودُ بنُ كَنْعانَ، من وَلَدِ حامِ بنِ نوحٍ، والمشهورُ أنه هو الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربه.
كَنْعانُ: أبو النَّمْرودِ المتقدمِ نَسَبُه.
عادٌ: يقولُ الإخباريونَ: هو عادُ بنُ عوصِ بنِ إرمَ بنِ سامِ بنِ نوحٍ، رُزِقَ كثيرًا من الولدِ، وهو عاد الأولى، والثانيةُ من ولده شَدَّادُ بنُ عادٍ، وكانَ لكلٍّ منهما مُلْكٌ عظيمٌ، وإليهما أُرسِلَ هودٌ عليه السلام.
فِرْعونُ: هو صاحبُ موسى، وقد اشتغلَ أهلُ التواريخِ والتفسير بالبحثِ عن اسمه، والاختلافِ فيه، بما لا يزيدُ فائدةً يُحسنُ السكوتُ عليها.
الأهرامُ: جمعُ هَرَمٍ، باقيةٌ إلى يومِنا هذا بالجيزةِ في القاهرة، تُعَدُّ من العجائبِ السبعِ، قيل: بناها سَنانُ بنُ المُهَلْهِلِ مع العمالقةِ، وقيل: غيرُه.
أربابُ: أصحابُ.
الحِجا: العَقْلُ، وكذلك الحِجْرُ — بكسر الحاءِ — والنُّهيةُ، والحَصاةُ، واللُّبُّ.
النُّهى: جمعُ نُهْيَةٍ — بضمِّ النون — قال تعالى: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ [طه: ٥٤].
شادوا: بنوا قصورهم بالشِّيدِ، وهو الجصُّ، وهو لفظٌ قرآنيٌّ في بعض تصريفاته.
القُلَلُ: جمعُ قلَّةٍ، ما علا من القصور.
الشرح:
الموتُ قضيَّةٌ كُتِبَتْ على الخَلْقِ لا تقبلُ الاستثناءَ، وقد حسمها القرآنُ في أكثرَ من آيةٍ بأساليبَ مختلفةٍ، قال عزَّ وجلَّ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].
والموتُ لغزٌ حيَّرَ الألبابَ، وعجزتْ فيه جميعُ الحِيَلِ، فكم من جموعٍ فرَّقها شذرَ مذرَ، وشغر بغرَ، وكم من عروشٍ هدَّمها، ودولٍ أفناها، وأحبابٍ فرَّقهم، وأصحابٍ شتَّتهم، لا ينجو منه صغيرٌ ولا كبيرٌ، ولا غنيٌّ ولا فقيرٌ، ولا عزيزٌ ولا ذليلٌ، ولا مَلِكٌ ولا مملوكٌ، ولا سيِّدٌ ولا مسودٌ، يقول طَرَفَةُ بنُ العبدِ الشاعرُ الجاهليُّ المشركُ:
لَعَمْرُكَ إِنَّ المَوْتَ مَا أَخْطَأَ الفَتَى
لَـكَِــالطَّـوَلِ المُرْخَى وَثِنْيَاهُ بِاليَدِ
الكُلُّ في حكمِ الموتِ سواءٌ سواءٌ، أقربُ شيءٍ إلى الناس وهم في حالِهم أبعد ما يكونون عنه، لَهم فيه خيرٌ وإن أبغضوه، ولو بقي الناسُ بلا موتٍ لما وسعتهم الأرضُ، ولازداد بغيهم وفسادهم، ولم يكن لكثيرٍ من المكارمِ معنى.
ولا فَضْلَ فِيـهَا لِلشَّـجَاعَةِ وَالنَّـدَى
وَبَـذْلُ النَّـدَى لَـوْلاَ لِـقَـاءُ شُـعُوب
ويقرر ابن الوردي هذه المسألة بطريق الاستفهام، الذي يَحمِلُ المخاطبَ على الإقرار وعدم الإنكار، بذكر الطغاة والجبابرة وأُولي البأس من أهل القرون الأولى، والزمان الغابر، أمثال عادٍ، وثمودَ، وفرعون، والنمروِد، وكنعان، وهامان، وغيرهم، ممن مَلَكَ الأرض، أين هؤلاء؟ هل بَقِيَ لهم من أثرٍ أو عثير؟ هل ترى لهم من باقية؟ هلكوا أجمعين، ولا تحسُّ منهم أحدًا، ولا تسمعُ لهم صوتًا ولا ركزًا ولا رِزًّا ولا حِسًّا، ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان]. ولم تُغْنِ عنهم أموالهم من شيءٍ ولا قصورهم من شيء، ولم ينتفع أهل العقول والعلوم بعلومهم ولا عقولهم، ولم يَحُل بينهم وبين الموت حائل، ولا يمكن رجوعهم إلى الدنيا، فغائب الموت لا يثوبُ، وسيبعثهم الله جميعًا، فينبئهم بما عملوا، أحصاه الله ونسوه.
تفاصيل الجمل، ص: 36.
#شغف_الفصحى_وجمالها



