لونٌ أحمر قانٍ قد حازه ذلك الذنب من نجمة البحر العتيقه، وقد كان نصيب الذنب الآخر أزرقاً سماوياً ثم وردي فاتِح وتعاركتا في الاخير بين الأخضر والأصفر، انتصر رأي هِبه التي وضعت اللون الأصفر بإصرار وانتهت اللوحه
نجمةُ البحر التي كانت الخِطوه الاولى بين غيد وبيدر، الرمز الشاهِد على كُل عقبات الطريق، على وحشة المحطات وأُنس الذكريات، على الصبر المُر والوصل الحِلو، على المرض الثقيل والإنتظار الطويل، كانت تمثالاً يُشبهما فأصبحت لوحةً بهيه تُشبه صاحبتها التي وِهبت لهما كفُرشاة الوان اضفت للحياةِ لديهما لوناً آخر .. حلواً كحلاوة السُكر
ثوبها الأبيض كان مُلطخاً ببقع من الألوان السائله، وجنتيها لم تسلم ولا يديها اللاتي قد اصبحن كقِطع حلوى الحليب الملونه، لوهله تود لو أمكنك أكلها وهي تجلس بجوار الباب وبين كفيها تُمسِك النجمه بحذر كي تجِف الوانها
من المطبخ تخرج غيد بعد كُل بِضع دقائق تدعوها لإنتظار والدها على اريكة الصاله بدلاً من الجلوس على عتبة الباب فترفض قائله :بنتظره هنا
تتنهد غيد بينما تهز رأسها بيأس، وبينما تُحرك الأرز بالملعقه الخشبيه راحت تُفكر في عِناد ابنتها من اين اتت به ! لحظاتٍ حتى استذكرت هِشام الوحيد الذي تميز بذلك الطبع من العائلتين، ثم جائت في ذاكرتها سالي فتبّسمت وهمست :سُبحان الخالق الناطِق
صوت حركة المُفتاح في الباب انتشلها من شرودها حين تزامن مع صرخات هِبه بإثاره وحماسه مُتقِده، حين خرجت غيد من المطبخ تراقبهما كانت ضاحكة الوجه بينما بيدر كان عاقد الحاجبين مُحتاراً رُغم ابتسامته لمنظر صغيرته التي باغتته بوقوفها امام الباب ملطخةً ببقعاً من الوان فاقعه، دنى منها وهو يراقب اخفائها لشيءٍ ما خلف ظهرها لم يكن ظاهراً له .. متسائلاً بإبتسامه هادئه :وش مخبيه وراك ؟
زمت شفتيها قبل ان تنظر لوالدتها التي اومئت تُشجعها فقفزت بسعاده بينما تخرج النجمه وتنطق بعلو :هدييه
رفع بيدر كِلا حاجبيه، إنبهر .. وصلته فِكره اعمق من مجرد نجمه ملونه، نظر الى غيد فتقدمت وقرفصت تحتضِن ابنتها بينما تُعلِق حول ماتبادر الى ذهنه وداعب مشاعره :كِثر ما النجمه تشبهنا، هالالوان تشبهها، تشبه وجودها بحياتنا والحال اللي صرنا عليه
ازدرد ريق فمه، اومئ واطرق بناظريه يتمعن في النجمه التي بين يديه، حين نهضت غيد تحمل هِبه بين احضانها قائله :يلا يا ابو الطول الحلو علقها ع الجدار اشوف
صفقت هِبه بحماسه فقهقه ونهض من مكانه، رمى مايحمل من اوراق وكُتب على مقعدٍ من مقاعد الصاله وشمر قميصه عن ساعديه ثم راح يُثبت المسمار الذي ناولته اياه غيد، حينما انتهى من تعليقها في جِدار الصاله ابتعد خطوتان ليراها مُعلقاً :انشهد انها خربت الديكور
وافقته غيد ضاحكةً الا انهما لم يُنزلانها من مكانها، فقد كانت إختلافاً يستحِق الإختلاف، ورمزاً يليق بِه التبجيل وذِكرى ليس من نصيبها النِسيان
- النهايه.
تقدم خِطوه، اثنتان، ثلاث، ثم انظر الينا من هُناك وقُلنا هل كان المرام يستحِق ؟
ذلك الرجُل ذو البِزه السوداء، حانياً رأسه من شِدة ما يُعصَف به، من شدة ما ثَقُل عليه وأرهقه، اطراف انامله تكاد ان تُمطِر رماداً بعد إحتراقها كما لو كانت لُفافات سجائر ومابين دفتي الغلاف مِنفضتها، حيث ستجِد الأسطر من رماد احتراق كاتبها تبوح اليك بما طال قمحُ البيدر حين استعرت فيه النار ونالت منه مبلغاً، اصبحت انت خير من يعرفه ..
مِحبرةٌ ورِيشه، ثم في آخر الصفحات بِضع كلمات بخط اليد كُتِبت، لاتستطيع ان تمر به فتغلق الكِتاب دون ان تتلمسها كما لو كنت تريدها ان تنطِق، كما لو انك تُداريها بعد ان وصلك انين حُروفها واستشعرت كُل حرفٍ منها
بِضع كلماتٍ خطها بيدر بأنامله فأُضيفت الى كُل الطبعات، تسلسلت الاعوام وتوالت النُسخ، تداولت بالايدي وشمخت في المكتبات كما توارت في الادراج وقُرئِت كثيراً، كثيراً حتى تخلدت في الورق والاذهان
" غُفرانك مدين ..
لصرخاتي الصماء التي أحرقتني
فجعلت منك هشيماً كالرماد
وللألف مرةٍ التي فيها
انت إنحنيت
وللألف مرةٍ التي فيها
انا على انقاضك أستقمت
فكنت أنا لأن البرد كان من روحي
واصبحت انا لأن وِشاحُ دِفئي كان انت
غُفرانك أبغي
فإغفر لي فِصامي "
5
2March 22, 2025 1.3K 7