ثم وذات يومٍ أشرقت شمسُ الخميس، اليوم الذي كان بمثابة الشماعه التي تعلقت بها آمالٌ كُبرى .. شمسٌ بارده تتوارى كل حينٍ خلف الغيوم المُلبِده للسماء وكأنها تُساق لتمُطِر .. علها خيراً تُمطِر .. حينما هَب ريان ليوقِظ والده لم يكن قد علم حينها بأن مدين لم ينم، طوال الليله الماضيه كان على فِراشه يتقلب وحيداً بعد ان هجرت ضحى النوم جواره منذُ فتره ثقيله .. فتح عينيه المغلقتين بإنهاك فور ان طبطب ريان على كتفه فتفاجئ الطِفل، لاول مره يستطيع ايقاظه من الوهله الاولى
فوراً جلس مدين مُعانقاً بقدميه الأرض البارده، مسح على وجهه ونبس يستفهم :امك صحت ؟
اومئ ريان بتأكيد فنهض مدين وضم بكفه كف الصغير الذي راح يسأله بينما يخرجان من الغرفه للقاء ضحى في المطبخ :امي تقول رايحين اليوم لعمي بيدر وبتاخذوني معكم
نظر اليه للحظات قبل ان يستفهمه بإبتسامه ضيقه بالكاد تُرى :ودك تروح ؟
اومئ ريان سريعاً يؤكد على رغبته في ذلك، بينما مدين فرفع ناظريه الى ضحى ونطق بعتبٍ قائلاً بتجاوز لتحية الصباح التي امتنعا عنها منذُ ان حلت فجوة الغيره بينهما :يمكن مايصدر القرار لصالحنا، ليش تاخذين الطفل !
من بين انشغالها بغسل الفناجين اجابت دون ان تكلف نفسها عناء النظر اليه بينما يحمل ريان ليضعه على المقعد المُرتفع بالنسبه لقامته القصيره :راح يصدر لصالحنا، واذا لا مافيها شيء، راح يودع عمه ويرجع معي للبيت ماراح تنخسف فينا الارض مثلاً .. ما انخسفت لما انسجن ابوه تنخسف على عمه !
شرد مدين للحظات في قولها، منذُ خروجه من السجن قبل عامين لم تكف عن رمي الكلام عليه، رغم حبها لبيدر كأخ وصديق قبل ان يكون ابن عم واخ زوج الا انها لم تقدر له ابداً تضحيته لاجله .. لقد لامته في ذلك اليوم وفي كل يوم لمدى ثلاثه اعوام .. يعلم بأنها محقه فقد اصبح بينهما طفلاً اجدر بالتضحيه الا انها لن تفهم ابداً من يكون بيدر .. لن يفهم احد مايكون التوأم لتوأمه، ومايكون بيدر لمدين ..
جلس بجوار ابنه الذي تناول من امه كوب حليبه وحين بدات وضع اكواب الشاي امامه وامام مقعدها قال دون مقدمات وكل امله ان ينتهي بقوله ذاك كل نكد عيشه والهم الذي بات يداهم مرقده :الليله خِطبه ليان، على دكتور في المركز .. كانت راح تعزمك لو مامدخلتيها الحظر ...
قاطعته تنطق رغم صدمتها وتبدد جدران من الغيره والخوف قد تطاولت في داخلها قائله :ماراح احضر .. ماله داعي تعزمني
اومئ دون مبالاه، هو الآخر لايريد منها ان تحضر، ولم يخبرها الا لانه يريد ان ينتهي الامر ويسدل الستار على مسرحية اوهامها واوهام غيد التي لا اساس لها من الصحه :راح تسافر بعد الزواج خارج المنطقه .. عرضت علي شراء سهمها في الدار
كشت بيدها تدعي لا المبالاه، التقطت قِطعه خيار من على الطبق امامها وبنبره بارده رغم شغفها لتحقق ما تسمع عنه ورغبه كبيره فيها لتصديق مايدعي به مدين بأن لا شيء يجمعه بليان سوى بيدر والعمل الذي تأسس بينهما بمحض الصدفه لا اكثر :اذكر غيد مره قالت راح تشتري السهم اذا هذي فكرت تنسحب من الشراكه اسألها
اومئ دون تعليق، من الاساس كان ينوي شراء السهم بنفسه واهدائه لبيدر ليصبح سبيل رِزق له بعد خروجه من السجن يصرف منه على عائلته ولا يحتاج اليه او الى غيد بعد الان .. يطمح لان يجعل من بيدر كياناً يفوقه قدره وإمكانيه في كافة المجالات ولن يتوانى عن ذلك اياً كان الثمن ..
..
في ذات الاثناء وعلى ذات الأرض كانت قد حطت طائره، حملت على متنها حُلمٌ كبير .. يعانق سواد الواقع فيقسم على ان يجعله وردياً او ابيضاً ناصِع، حلم حملته غيد في قلبها وهي تجر حقيبتها وامامها تركض هِبه بخطاها العجوله، تركض حتى تصِل الى حُضن هِشام المفتوح لإستقبالها .. رأته يرفعها الى الاعلى فتصدر قهقهاتها عاليه لتجذب انتباه الماره، ثم يحتضنها ويستنشِق رائحتها بشوقٍ لم يعد قادراً على إخفائه فتقدمت وحضت بنصيبها من حُضِن هِشام
بعد زواجها من بيدر كُشفت كل الاوراق امام الجميع، لم تدع الاقدار احداً الا واعلمته عن حال بيدر المخفي، عن مرضه ونُقصه الذي يحارب كلاهما لإكماله .. كان هِشام اول من ثار بها ولامها على رضاها به رغم معرفتها بحاله الميؤوس منه .. لكنه ايضاً كان اول من وقف الى جانبها وجانبه حين صدر ضده الحكم بالإدراج في المصح العقلي بعد اثبات ارتكابه للجريمه في غير وعي منه
والأهم من كُل ذلك .. كان هِشام هو الأب الذي حل محل بيدر وانتزع ذلك من مدين بإصرار على ان تبقى غيد وابنتها في منزله ورغماً عن رفض اخيه سلطان حتى
ربما كان هِشام يحاول بذلك تعويض فقدانه هو واسمهان لصغيرهما الذي رحل مكبراً عن عمرٍ لم يتجاوز البِضع أشهر حتى، حينما عادت هِبه مع اسمهان ومريم الى المنزل اتجهت غيد رفقة عمها الى المحكمه .. حيث احتضنت كفه رغم علمها بأنه لن يفضل ذلك امام العامه قائله :احتاجك
2March 22, 2025 542