في كُل درجٍ الى الاعلى هفوه، درجه هَشه وِضعت على ذاك الطريق المتين لتُزِل عن الصعود قدمك، وكأنها بابٌ خُلِق ليعيدك في ملمح البصر الى الوراء او الى الهاويه، وتتغلب عليها فقط إن كُنت مُستميتاً لأجل القِمه، ان كُنت استثناءاً في حشد السائرين، مميزاً عنهم بالشعله الوضاء التي تضيء في صدرك فتنشر دفئها في الفؤاد والجوارح .. وتِلك الشعله المتوهجه ليست الا هِبه من الله، يهبها لمن يشاءُ من عباده
تجولُ وتُغني تِلك الطفله ذات الجسد الصغير والخُصِل البنيه المتناثره على جبينها، تغني احدى اغاني الكِبار تعبث بالكلمات وتُنقِص من هيبة الحُروف وتخرح منها الجُمل مُضحكه لكنك ورغم ذلك تستطيع ان تعرف انها تجول في صالة المنزله وتهتف ب" لأجلك يامدينة الصلاه أُصلي " .. تسمع والدتها تغنيها دائماً فتحفظها منها .. وتُلاحظ غيد ان ابنتها لاتلتقط الكلمات الا مِنها ولا تُقلد الا اغانيها حتى وان وضعتها امام التلفاز لساعات فإنها لاتخرج من هناك بأي حصيله تُذكر
لاحظت ذلك لاول مره قبل عامٍ من الان، حين رأتها تُمسِك شعرها بقوه وتغمض عينيها وكأنها تدعي الألم مُقلدةً والدها بعد ان رأته في احدى نوباته يفعل ذلك، ووكأن عينيها الجميلتين لاتعترف برؤية احداً سوى الأب والأم بما فيهما من جيدٍ وسيء .. وعلى اريكتها البيضاء تجلس غيد، هاتفها على المِنضده وعينيها تتبعان هِبه في تحركاتها بشرودٍ تام سافر فيه فِكرها الى الحادثه التي كادت ان تفقدها بها حين تهجم عليها احدى مرضى المشفى العقلي وبالكاد تم تخليص الطفله من بين يديه، الى كابوسها المُتكرر والثقب الذي ينضح وجعاً ورعباً في قلبها
تعود من على مشارف البُكاء، تبتلع ريق فمها وتهتف بنبره متهدجه بصوتٍ بالكاد يطاوعها في علوه :هِبه ماما .. تعالي نكلم عمو ؟
توقفت عن ركضها ودورانها حول الغُرفه، صمتت ووجهت ناظريها الى والدتها وبعد لحظات بسيطه تقدمت اليها بينما تهز رأسها بنفي وتقول :لا لا .. نكلم بابا
تهرب من بين شفاه غيد تنهيده، يُسعدها كون ابنتها ذات لسانٍ طليق من صُغرها، ذات رأي ورغبات رغم عمرها الذي بالكاد يتجاوز العامين، بديهيتها العاليه وصفات شخصيتها الذي يبدو بأنها تميل لعمها رغم ملامحها المشابهه لخاصة والدها تُعجِب غيد، لكن ذلك يضع امامها دوماً عقبات في التعامل معها وتليين حديدها حين ترغب بشيء وتعاند لأجله :بابا الحين نايم، حرام نصحيه
ب "عادي" نبست الطفله، مُصره وهي تُمسك بثوب والدتها، تكاد ان ترفع يدها وتُمسك بشعرها حين مدت غيد يدها لتمنعها عن ذلك، غصه تقف في حنجرتها وهي تهمس بداخلها " ليس ذلك ماترثينه من والدكِ، ليست مظاهر الألم المؤلمه بحد ذاتها " دنت تقبل وجنتها وتوافق على طلبها بقولها :بكيفك بس اذا زعل علينا انتي تراضينه
اومئت هِبه برضى، التقطت الهاتف وزاحمت غيد في امساكه متعجله لسماع صوت والدها الذي فارقته منذُ نِصف عامٍ مضى وفارقته قبل ذلك منذُ لحظة ولادتها عدى من لقاءات متكرره كانت تصطحبها فيها والدتها اليه في مكانه البعيد عن دفئ منزلهم وسفرة طعامهم الشهيه دائماً .. من خلف السماعه جاء صوت بيدر مُتعباً بعد حديث قصير
تبادلته غيد مع احدى الممرضات كي تتمكن من محادثته من هاتف الممرضه :غيد ؟
صمتٌ قصير، تابعت فيه ابتسامة هِبه السعيده بسماع صوته الذي لم تميز التعب فيه وليتها كجهِل هبه بحاله فلا تفقه منه الا جمال وجهه ودفئ احضانه وعِناق كفه، ابتلعت ريق فمها وقالت :كيف حالك ؟
تنهيده ثم اجابه وصلت الى مسامعها من خلف السماعه التي تختصر بينهما مسافة الاف الكيلو مترات وحدود فاصله بين دولتين :حالي من حالكم، إذا انت ..
قاطعته فوراً بينما تنطق في ذات الاثناء التي احتضنت بها ابنتها المُنصته بسكون لصوت والدها رغم انها لاتفقه معظم مايقول :احنا بخير يابيدر، ماينقصنا شيء غيرك، وغير انك تكون بحال افضل !
همهم بعد لحظات، لم يفوته تشديدها للكلمات، لطالما كانت غيد تترك له مساحةً غير محدوده لعمليه شفائه الا انها باتت مؤخراً تطلبها منه وكأنها تريد استرداد حاجةً لها مِنه فقال بما يملك من املٍ يمكنه تصبيرها به :الخميس الجاي راح يصدر قرار قضائي، عفراء تتكلم عن وقف تنفيذ العقوبه .. ما ادري اذا راح اطلع وراها
سكنت قليلاً ورقت ملامحها، لمعت عينيها بحُزن وقد التمست منه التبرير كما لو كان معتذراً حيياً فقالت برفق :يكفي انك تكون بخير، تنام وتصحى وتاكل وتشرب بدون اوهام والم ونوبات .. صدقني هذا اهم من وقف تنفيذ العقوبه !
راحت انامله تعبث بطرف ملائة سريره بينما عينيه تستقران على نقطة فراغ من الغرفه، شرد للحظه انتهت حين اردفت غيد قائله بنبره ضاحكه قليلاً :بنتك نامت وهي تنتظر عشان تكلمك، بكره تصحى وتنكد علي عيشتي عشان ارجع اتصل فيك مره ثانيه
5March 22, 2025 205