خيوط ضوءٍ نال منها الخفوتُ مبلغاً، أرفف خشبيه تضُم بين خاناتها ثروةٌ لا تُقدّر بمالٍ ولا ذَهب، ثروه تُعرَض كغِذاءٍ للارواح والالباب، وكأنها نهرٌ عذب خُلِق فقط ليروي ضمأ القُراء .. اولائك الذين يتوزوعون في الأنحاء كُلاً في عُزلةٍ عن الآخر يتخذ له مجلسه الخاص وطقوسه الخاصه، اما هي فهي سيدةُ المكان، هل ابالغ إن قُلت انها قد قرأت مُعظم الكُتب التي تحويها مكتبتها الخاصه ؟ لا بالطبع فملاذ منذُ نعومة الظُفر قارئةٌ نهِمه، ليلها كِتاب ونهارها آخر، تغرق في تأريخٍ ما ثم تتنفس قصيدةٍ في احد الدواوين الشعريه، تعيش في اروقة روايه عاطفيه وتأخذها اخرى تراجيديه .. هكذا اصبحت حياتها حين فصلتها بالطريقه التي تشتهيها
يتقدم العامِل الاسباني في رُكن القهوه الخاص بالمكتبه وفي يده كوب قهوتها المُعتاده، عربيه اصيله كما تُفضلها، بِضع كلمات اسبانيه تبادلاها ثم غادر .. تُقلِب صفحات احدى الكُتب التي سبق وان قامت بقرائتها ذات مره، ثم تستوقفها زهره حمراء مُتيبسه بين الصفحات .. بقيت من ايام الزواج الاولى .. تستذكر كيف انها قفزت يومها فرحاً برؤيه تذاكر السفر التي كانت في يده الاخرى، ماذا لو عاد بِها الزمان وعلمت في ذلك الوقت بأن عزيزها لم يكن ينوي العوده ابداً ؟ اكانت ستعيش ذات البهجه !
مدت اناملها تلتقط الزهره، ثم ترميها في سلة المُهملات المجاوره لمقعدها، اغلقت الكِتاب ووضعته على المِنضده قبل ان تستقيم وتخرج الى رصيف الشارع المُلتصق باب المكتبه رفقة قهوتها وافكارها المُحتشِده .. الى ان جاء من يُقاطع شرودها بقولٍ مُشبَع بالحيويه :ها شعندها اميرة المكتبه برا اليوم !
نظرت اليه حين كان على يمينها ولم تفهم كيف لم تلاحظ عربته التي توقفت على بعدٍ بسيط منها، سُتره سوداء ثقيله عليه ومظهره يوحي بشيء لاترغب في التفكير به، ازدردت ريق فمها وقالت :جاي بدري !
اومئ مُخبئاً كفيه في جيبي سترته، استقام بجوارها واخذت عينيه في التجول بحريه في الشارع مجيباً اياها بهدوء :تكلمت مع دكتور الوالد، مو متفائل بخصوص العمليه
بهتت ملامحها لوهله، اشاحت بناظريها الى الشارع المُبتل من اثر مطر الليله الماضيه، ازدردت ريق فمها ثم قالت :مالها داعي، سنه او سنتين زياده في عمره يعني عذاب له اكثر ..
نظر اليها ونطق فوراً يُقاطعها مستنكراً ما تتحدث به من هُراء :تتكلمين بهالطريقه لأنه مو ابوك ملاذ، مافي ابن بالدنيا يستسلم لفراق ابوه .. طول مابيدي شيء ...
حينها حان دورها هي لتقاطعه هذه المره، فهو وبكامل قواه العقليه عاجز على ان يفهم مدى سوء مايمر به والده، كم ان الساعه الواحده اشبه بدهرٍ من الجحيم يحل عليه وذلك مالم يتوانى الرجل عن التعبير عنه :القرار له عزيز، مو من حقك تجبره على شيء مايبيه، الرجال تعِب .. سنتين وهو عايش بالاجهزه والاسلاك مو قادر حتى يعتمد على نفسه بأبسط احتياجاته، مايرضى بالممرضات وامك صارت جلد على عظم من تعبها ...
احتدت عينيه، اخرج يده من جيبه ورفع سبابته بوجهها بينما ينطق قائلاً بحده :امي ما اشتكت لكِ ولا لغيرك، رأيها من رأيي واحنا الاولى بأخذ القرار لان موته ماراح يكسر احد غيرنا انا وهي
سكنت قليلاً بينما تنظر لحده عينيه وملامحه، ثباته حين ينطق وقصده لما يقول .. عقدت حاجبيها وهمست مستنكره :متى صرت غريبه ياعزيز ؟
انزل يده وتراجع خطوه، مسح على وجهه بكلل قبل ان يعيد ناظريه الى الشارع ويده الى جيبه يسمعها تردف بعتبٍ مُعتاد ومُكرر خاصه في العام الاخير من زواجهما :هالفجوه اللي تكونت مابيننا برأيك وش سببها ؟ سفرك الكثير، مرض ابوك، ولا تقصير مني مثلاً ؟ ولو ان الاخيره مُستحيله !
تواجهت بالصمت، في كل الاحوال كان يعلم بأنه المُخطئ والمُقصِر دائماً، مرض والده من جِهه كان ينتزع منه كُل ذرات راحته وصفاء ذِهنه، عمله الذي تضاعف بعد ان بقي في ادارة شبكة مستشفيات والده وحيداً .. كل شيء كان حوله يأخذ منه جُزءاً فيأتي اليها ناقصاً في كل مره لاتجد منه مايسد رمق حاجتها منه كوطنٍ وأهل وزوج !
آثرت الإنسحاب بكامل استنكارها، خطوتين الى باب المكتبه قاطعها هو بقولٍ خرج حيياً وان كان يدعي فيه الثبات :كنت جاي اقولك اني مسافر لظرف عمل
التفتت اليه، تبّسمت وجالت بناظريها في وجهه، وعينيه التي تقرأ فيهن الاعتذار صريحاً في كل مره وان كان لايترجمه اللسان الا قليلاً وفيم ندر، اومئت ثم قالت تحبس غصه تكورت في حنجرتها رغماً عنها :وانا كنت ناويه اقولك اني حامل !
اومئت مره اخرى وتجاهلت صدمته التي ظهرت على ملامحه، انه حملها الاول منذُ اكثر من ثلاثه اعوام، اكانت ستعطيه الخبر بهذه الطريقه الجافه ؟ هل هذه هي الذكرى التي ستمضي معها الى ان تُصبِح اماً ثم جده ؟
2
1March 22, 2025 172