بردٌ ونسيمٌ عليل، يمٌ هادئ وسماء بُرتقاليه تعكس على الماء بريقاً آخاذ، وفي بُرتقاليه السماء مرآةٌ للاروح فتجِد على الأحجار السوداء من هو مُنسدل الكتفين ووكان الشمس قد غربت في عينيه منذُ عصور كما تجِد من أُضيئت في عينيه قنديلين لاينطفئان بوهجٍ وإنبهار .. اولائك الذين ينظرون للنِصف الممتلئ من الكوب دائماً رُغم حقيقة ان الناس جميعهم ليسوا الا اكواباً مُنتصفَه ليس من نصيبها الامتلاء
وعلى حجرٍ سوداء هي الأخرى تجدها تجلِس مُحايده، ليست بحُفنه من الكآبه ولا سماء من النجوم، في قمة الميزان وليس على احد كفتيه تجِدها، شهلاء .. ان رأيتها لقُلت بذهولٍ ( متى كبرُت ؟ ) لوهله ستحتار هل تنبهر ام تستنكِر ؟ لكنك وحين تستذكر مصائب العشرون فصلاً التي حملتها تِلك الرقيقه على كاهليها ستُصافح يديها وتهمس في اذنها قائلاً (كم انتِ عظيمه !)
حصوه صغيره قفزت فوق سطح الماء لمرات، قفزه تلو الاخرى ثم استقرت في قاعه غارقه، ابتسامه ارتسمت على شفتيها قبل ان تلتفت وهي تُخمن هوية الفاعل وبالفعل وجدته هو بذاته، بمنكبيه العريضين ووجهه الباسم رغم حدة ملامحه، قهقهت وقالت :لدرجة ماخفت من الحجر، تعودت عليك
اومئ واتجه للجلوس على حجرٍ أخرى بجوارها وبنبره ساخره قال بينما يوجه ناظريه الى البحر امامه :لازم ادور طريقه غيرها، بطلت هذي تجيب نتيجه
همهمت ضاحكه، رأته يعيد ناظريه اليها بعد لحظات وينطق مُعلقاً حول تواجدها هُنا كعاده تلجئ اليها دائماً في ايام مُتفرقه :وانا واصل لمرحله ما اضطر ادور عليكِ من تختفين، تعودت الاقيكِ هنا !
للحظات ظلت تنظُر اليه، للعطاء والود في عينيه، تستذكر كل ما ارتشفته من بين كفيه من مُسانده وثبات كان اشبه بإستراحة محارب بعد خوض اعتى المعارك، انزلت ناظريها الى كفيها وقالت :اشتقت للبلد، للساحل وبيتنا وشوارعنا .. مافي شيء يهون علي غربتي الا هذا المكان
صمتٌ قصير، رفع قدمه على حجره منخفضه امامه ووضع كفه على رُكبته، جال بناظريه على اللوحه ذات الدِقه البديعه والفن الرباني الخالص ثم وبهدوء استفهم :بعدك مصره ترجعين ؟
فوراً اومئت، قرارها ذاك ليس فيه رجعه، ففي الاعوام السابقه عاشت، تنفست، تجاوزت، ضحكت بصِدق وبكت بلا حدود، صرخت وتكلمت وقررت وفعلت .. لكن شيئاً بقي في الزراء متروكاً وذلك السطر الناقص بقي منذُ الماضي يلح عليها ليكتمل ولو بنقطه واحده تنهي كل شيء مرت اناملها على جلد حقيبتها بعبث بينما تجيب :تخيل هاللوحه قدامك بدون شمس، اجواء غروب لكن الشمس ماهي موجوده عشان تراقبها وهي تختفي، او مثلاً عرس بكل فعالياته واحتفالياته بدون عروس .. ينفع ؟
نظرت اليه في كلمتها الاخيره، وكأنها تستفهم منه فصمت ينتظرها ان تُتِم حديثها الذي يبدو بأنه سيكون الاخير قبل رحيلها في صباح الغد :هذي حياتي من يوم جيت، في شيء ناقصها، مثل وكأني قاعده امشي على الهواء وبأمس الحاجه اني احط رجلي على القاع .. للارض اللي انتمي لها واحبها، شايف فرحتي بكل خطوه قاعده اتقدمها ؟ صدقني لو ببلدي كانت راح تكون اضعاف مضاعفه
اومئ بتفهم، ذلك الشعور .. يعرفه جيداً ويتفهمه، نظر حوله حين بدا الظلام بالحلول، اشار اليها كي تنهض لاجل العوده ففعلت وحين بدأت خُطاهما تسير على الرِمال في طريق العوده قال مستفهماً :امك راضيه ؟
رفعت يديها تحتضن ساعديها من موجة هواء مرت فأثلجت عِظامها برداً بينما تجيب قائله :ايه، بالبدايه عصبت من باب ان مو انتي اللي راح تاخذين القرار في كل مره لكن بالنهايه رضت .. اختك اكثر وحده ودها ترجع .. اكثر مني حتى
تبّسم واومئ يوافقها الرأي، خلع عنه سُترته الثقيله ثم وضعها على كتفي شهلاء ومد يده يحتضنها اليه بينما يمشيان، لم تكن له مُجرد ابنة اخت اصبحت مقربه في فتره وجيزه بعد ان كان لايعرف عنها سوى اسمها وعمرها وبضع لقاءات قليله .. بل كانت مثل نهراً سخي يمر بمنتصف منزله، مثل مورد حياة اعاد الى عينيه بريقها، اتت اليه حزينه، مهزومه محمله بالخيبه والخذلان والالم اتت اليه وهو الوحيد الذي يسكن منزلاً خاوٍ من عداه .. للحظه ظن بأنه سيعاظم حُزنها بكآبته .. لكنه تعافى لأجلها ام بها لا يعلم، المهم هو انه أُنتشِل من قاعه الى سماءٍ لم يأخذ بيده اليها الا شهلاء دون سواها ..!
وبينما هو يظن انه الخال العازب، الوحيد بعد وفاة والديه وزواج اخواته بعيداً عنه، الخيار الوحيد امامها حين قررت الهرب من سوء واقع للبحث عن واقع اجمل كان بنظرها هو السند، الكتف الثابت والضِلع المتين، كان الحضن الذي استقبلها بلا شروط والباب الذي لم تعد من عتبته خائبه، كان الشفاء والحياه النجم البهي الذي اضاء طريقها .. حين جائته كانت مجرد انقاض حياه، لا عائله ولا حاضر ولا مُستقبل .. فجمعها بوالدتها اولاً ثم اخذ بيدها الى حيث وجدت عملاً يليق بها، ترك لها دائماً زمام اخذ القرار فيما يخص حياتها وناقشها وصحح لها اخطائها بطريقه تجعله يبدو بأن ليس خالاً بل يداً من المستقبل مُدِت اليها لتُيسر اليها طريق العبور ..
4
1
1March 22, 2025 168