ترجع بمعرفتي بالأستاذ الدكتور سامح الغريب البدحي ١٩٧٩م - ٢٠٢٦م - رحمه… — أفكار وأسْمَار — TG.ME

ترجع بمعرفتي بالأستاذ الدكتور سامح الغريب البدحي ١٩٧٩م - ٢٠٢٦م - رحمه الله رحمة واسعة- إلى سنة ٢٠١٨م أو قبلها بقليل.
عرفتُه في سياق علمي شرعي يتصل بالتراث الإسلامي وكتبه وأعلامه ومسائله، ولكثرة اهتمامه وشدة شغفه بهذه العلوم الإسلامية لم أكن أعرف في هذا الوقت أنه طبيبٌ أيضا، وعلى كثرة تواصُلنا الكتابي والصوتي لم يُخبرني بهذه المعلومة، ربما لأنه قليل الحديث عن نفسه، أو ربما لم تأتِ مناسبة لإعلامي بها.

لم أشرُف بلقاء الدكتور سامح - رحمه الله- على أرض الواقع، مع أننا تواعدنا أكثر من مرة أن نلتقي في معرض الكتاب، لكن حالت دون ذلك ظروف عمله، وكم من صديقٍ لنا لم نقابله على أرض الواقع هو أقرب إلينا من بعض من نجالسهم ونلقاهم.

كان الدكتور سامح- رحمه الله- شغوفا بالعلم، محققا لمسائله، متحليا بآدابه، ولم يكن هذا الشغف طارئا عليه بأخَرة، فقد أخبرني أن من أوائل ما فتَح عينيه على التراث الإسلامي وعلومه: تفسير" روح المعاني" للآلوسي، وأنه قرأه كاملا وهو طالبٌ في كلية الطبّ، وأُولِع به، وساعده على ذلك أن الكتاب في هذه الفترة - تقريبا التسعينيات- كان يُطبع منه في كل أسبوع مائة ورقة، عن دار الشعب للصحافة تقريبا.

ومن المعارف التي كان يتمتع بها- إلى جانب تخصصه في الطب واشتغاله بالعلوم الشرعية اشتغالا حقيقيا، تأليفا وتحقيقا، لا مجرد محبة وثقافة عامة - : معرفته باللغة الفارسية، وعرفتُ منه ذلك أيضا بالصُّدفة المحضة، فالرجل نادرا ما كان يذكر شيئا عن نفسه، وذلك أني وجدتُ نصّا مترجما عن الفارسية من كتاب" جامع العلوم" للإمام الرازي، يتحدث فيه عن السحر ودعوة الكواكب والطلسمات مع التبرّي من ذلك، وهو قوله: "أما في ديننا وشريعتنا شريعة الإسلام فهذا حرام ، بل كل من يفعل هذه الأفعال كافر وفي عداد المرتدين، ولولا أن بعض الناس سمعوا باسم هذا النوع لما أوردناه في هذا الكتاب ، لكن ذكرنا نبذة منه على وجه النصيحة والتنبيه لئلا يفعله الناس ؛ فهو ـ وإن تحصّل منه مقصود دنيوي ـ مفسدٌ للدين والإسلام ، نعوذ بالله من بيع الآخرة بالدنيا . " اهـ

فوجدته يراسلني مبتسما ويقول لي: هذا النص من ترجمتي، وهو من فوائد معرفتي بالفارسية، وأخذ يكلمني عن قيمة الفارسية وأهميتها، وكيف أنها أعانته كثيرا على فهم كثير مما كتبه الغزالي والرازي بالفارسية، وأنه تمكن من قراءتهما بتعمق من جراء معرفته بالفارسية.

وفي الحقيقة، الحديث يطول عن اهتماماته اللغوية والتاريخية والفقهية - أيضا- وشغفه بجمعِ الكتب ذوات الطبعات القديمة النادرة، غير أنني إذا أردت أن أختصر الكلام عنه فإني أرى أن أهم ما لاحظتُه في هذا الرجل الصالح الكريم ثلاثة أمور:

الأول: أنه كان مُنكفئا على ذاته، مُنصرفا إلى العلم بكُليته، لا يَشغل نفسه بما لا يفيد، ولا يدخل فيما لا ينفع، غير مائل - فيما رأيت - إلى توسيع العلاقات الافتراضية، ولهذا فلم أره قط - على مدار ثماني سنوات - في شِجار مع أحد من الناس، ولا يشتبك في جدال عقيم، ولا يخوض مع أحد في نقاش لا طائل منه.

الثاني: تعلمتُ منه - أيضا - أن من طرائق الإثمار الجيد في المعرفة أن الإنسان بعد تحصيل الضروري من العلوم المختلفة، ينصرف بكليته إلى عالم واحد، يستوعب جميع تراثه، مخطوطا ومطبوعا، ويهضمه جيدا، فإنه بلا شك سيجد ما يضيفه إلى المكتبة العلمية ولم يُسبق إليه، وسوف تُفتح له آفاق ومعارف لم تُفتح لغيره.

وهذا ما صنعه هو مع آل السبكي، وخصوصا الشيخ الإمام تقي الدين السبكي، حتى تمكَّن - والحمد لله- من تأليف كتابٍ أسماه:" المدخل إلى علوم الشيخ الإمام " يسّر الله طباعته، وأنا أجزم أن في هذا الكتاب أشياء ومعارف لا تُعرف إلا من طريق الدكتور سامح وتفتيشه وتنقيبه.

الثالث: كان الدكتور سامح- رحمه الله- رجلا شهما ذا مروءة، أذكر أنني في ٢٠٢١م أُصِبت بوعكة صحية شديدة، بسبب تسمُّم غذائي تعرضتُ له، فكان هو من أوائل من يطمئنون عليّ، ويتصل بي كل يوم مع كثرة أشغاله، ويكتب لي الدواء الفلاني، ويُطمئنني، ويقول لي إن احتجت شيئا فكلمني وقتما تحبّ.

في عمره القصيره، وعلى قِصر المدة التي عرفته فيها، وعلى أنني لم أقابله قطّ، إلا أن خبر وفاته أدهشَني والله، وترك في نفسي غُصّة، وبين جوانحي زفرة، فأسأل الله تعالى أن يغفر له ويرحمه ويسكنه فسيح جناته، ويربط على قلوب أهله وإخوانه، ومُحبيه.
❤20😢7
September 2, 2026 1K 13