أعتقد، والاعتقاد بمعنى الجزم، أن من يحكم بتفوق الشعر العباسي على الشعر الجاهلي لا يخلو من أمرين، إما أنه ممن يفضّل الصور الحديثة المستطرفة التي تعتمد على لطف الخيال، أو أنه لم يدرس الشعر الجاهلي جيدا ولم يسلك دروب شعرائه ومضايقهم.
والأرجح عندي هو الأمر الثاني، فكلّنا على حد سواء بيننا وبين هذا الشعر مسافة في التلقي تحتاج إلى دربة ومدارسة وتمرّغ بالرمل، ونوم في معاطن الإبل، ورحيل في مجاهل الصحراء، وصعود وهبوط بين الجبال والأودية، وركض وراء الطرائد، حتى نملأ هذه المسافة ثم نحكم له أو عليه.
فلا يكفي لتذوّق هذا الشعر أن نكون لغويين فقط، أو نحاة، أو جامعي غريب من أفواه الأعراب، بل لابد فوق ذلك أن نعيش التجربة التي نرى فيها هذه اللغة حيّة تسعى!
- سعود الصاعدي -
والدكتور ناصر الدين الأسد رحمه الله له مقطع فيديو، كنت نشرته هنا سابقا، يذكر فيه أن سبب استصعابنا للشعر الجاهلي ليس هو الألفاظ ولا التراكيب، وإنما بُعدنا الحضاري عن طبيعة المجتمع الجاهلي، وجهلُنا بالبيئة العربية القديمة وما فيها من عادات العربي ومشاهداته في حله وترحاله.
31September 1, 2026 819 17