((شبهة أهل التعطيل من المعتزلة والجهمية والأشعرية ونحوهم في تفسير يد الله عز وجل بالنعمة والقوة والرد عليهم))
قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى:
وقد خالف أهل السنة والجماعة في إثبات اليد لله تعالى أهل التعطيل من المعتزلة والجهمية والأشعرية ونحوهم، وقالوا: لا يمكن أن نثبت لله يداً حقيقية، بل المراد باليد أمر معنوي، وهو القوة!! أو المراد باليد النعمة لأن اليد تطلق في اللغة العربية على القوة وعلى النعمة.
ففي الحديث الصحيح حديث النواس بن سمعان الطويل: «أن الله يوحي إلى عيسى أني أخرجت عباداً لي لا يَدان لأحد بقتالهم»، والمعنى: لا قوة لأحد بقتالهم، وهم يأجوج ومأجوج.
وأما اليد بمعنى النعمة؛ فكثير، ومنه قول رسول قريش لأبي بكر: «لولا يد لك عندي لم أجزك بها؛ لأجبتك»؛ يعني: نعمة.
وقول المتنبي:
وكم لظلام الليل عندك من يدٍ
تُحدّث أنّ المانويّة تكذبُ
والمانويّة: فرقة من المجوس الذين يقولون: إن الظلمة تخلق الشر، والنور يخلق الخير. فالمنتنبي يقول: إنك تعطي في الليل العطايا الكثيرة التي تدل على أن المانوية تكذب؛ لأن ليلك يأتي بخير.
فالمراد بيد الله: النعمة، وليس المراد باليد اليد الحقيقية؛ لأنك لو أثبت لله يداً حقيقية؛ لزم من ذلك التجسيم أن يكون الله تعالى جسماً، والأجسام متماثلة، وحينئذ تقع فيما نهى الله عنه في قوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: 74].
ونحن أسعد بالدليل منك أيها المثبت للحقيقة!! نقول: سبحان من تنزه عن الأغراض والأبعض والأغراض!! لا تجد مثل هذه السجعة لا في الكتاب ولا في السنة.
وجوابنا على هذا من عدة وجوه:
أولاً: أن تفسير اليد بالقوة أو النعمة مخالف لظاهر اللفظ، وما كان مخالفاً لظاهر اللفظ؛ فهو مردود؛ إلا بدليل.
ثانياً: أنه مخالف لإجماع السلف؛ حيث إنهم كلهم مجمعون على أن المراد باليد اليد الحقيقية.
فإن قال لك قائل: أين إجماع السلف؟ هات لي كلمة واحدة عن أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي؛ يقولون: إن المراد بيد الله اليد الحقيقية!
أقول له: ائت لي بكلمة واحدة عن أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي أو غيرهم من الصحابة والأئمة من بعدهم يقولون : إن المراد باليد القوة أو النعمة .
فلا يستطيع أن يأتي بذلك .
إذاً ؛ فلو كان عندهم معنى يخالف ظاهر اللفظ ؛ لكانوا يقولون به ، ولنقل عنهم ، فلما لم يقولوا به ؛ عُلم أنهم أخذوا بظاهر اللفظ وأجمعوا عليه.
وهذه فائدة عظيمة ، وهي أنه إذا لم ينقل عن الصحابة ما يخالف ظاهر الكتاب والسنة ؛ فإنهم لا يقولون بسواه ؛ لأنهم الذين نزل القرآن بلغتهم ، وخاطبهم النبي ﷺ بلغتهم ؛ فلا بد أن يفهموا الكتاب والسنة على ظاهرهما ؛ فإذا لم ينقل عنهم ما يخالفه ؛ كان ذلك قولهم .
ثالثاً : أنه يمتنع غاية الامتناع أن يراد باليد النعمة أو القوة في مثل قوله : ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ ص : ٧٥ ] ؛ لأنه يستلزم أن تكون النعمة نعمتين فقط ، ونعم الله لا تحصى !! ويستلزم أن القوة قوتان ، والقوة بمعنى واحد لا يتعدد فهذا التركيب يمنع غاية المنع أن يكون المراد باليد القوة أو النعمة .
هب أنه قد يمكن في قوله : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [ المائدة : ٦٤ ] : أن يراد بهما النعمة على تأويل ، لكن لا يمكن أن يراد بقوله : ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ النعمة أبداً .
أما القوة ؛ فيمتنع أن يكون المراد باليدين القوة في الآيتين جميعاً ؛ في قوله : ﴿بَلْ يَدَاهُ﴾ وفي قوله : ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ؛ لأن القوة لا تتعدد .
رابعاً : أنه لو كان المراد باليد القوة ؛ ما كان لآدم فضل على إبليس ، بل ولا على الحمير والكلاب؛ لأنهم كلهم خلقوا بقوة الله ، ولو كان المراد باليد القوة ؛ ما صح الاحتجاج على إبليس ؛ إذ إن إبليس سيقول : وأنا يا رب خلقتني بقوتك ؛ فما فضله عليّ؟!
خامساً : أن يقال : إن هذه اليد التي أثبتها الله جاءت على وجوه متنوعة يمتنع أن يراد بها النعمة أو القوة ؛ فجاء فيها الأصابع والقبض والبسط والكف واليمين ، وكل هذا يمتنع أن يراد بها القوة ؛ لأن القوة لا توصف بهذه الأوصاف .
فتبين بهذا أن قول هؤلاء المحرفين الذين قالوا : المراد باليد القوة باطل من عدة أوجه .
وقد سبق أن صفات الله عز وجل من الأمور الخبرية الغيبية التي ليس للعقل فيها مجال ، وما كان هذا سبيله ؛ فإن الواجب علينا إبقاؤه على ظاهره ؛ من غير أن نتعرض له.
📘 شرح العقيدة الواسطية ص ٢٥٦ - ٢٥٩
August 11, 2026 84