أربعة شواهد لغوية في بيت واحد:
قال عبدُ يغوثَ بنُ وقاصٍ الحارثيّ:
وتَضحَكُ منِّي شَيخةٌ عبشميَّةٌ
كأن لّمْ تَرَى قَبْلي أَسيرًا يَمانِيَا
في هذا البيت أربعةُ شواهدَ لغوية:
الشاهدُ الأوّلُ هو قولُه: «شَيخة» بهاء التأنيث للأنثى مع كونه اسمًا للمذكر؛ والهاءُ الفارقةُ إنما تكون في اللفظ المشترك بينهما من وصفٍ ونحوه، وهي هُنا -على خلاف الأصل- جاءت للفرق بينهما في الاسم الموضوع للذكر. ومِن أمثلته: رجُل ورجُلة، وإنسان وإنسانة، وغُلام وغُلامة، وأسَد وأسَدة، وحِمار وحِمارة؛ وذلك مقصور على السماع.
والشاهدُ الثاني هو قولُه: «عبشمية» أي منسوبة إلى (عبد شمس)، على إحدى طرائق النسب إلى المركب الإضافي، وهي بناءُ كلمة من مجموع حروف الكلمتين (حرفان من كل كلمة غالبًا) مع ردِّ الاسم إلى الرباعيّ وإضافةِ ياء النسب. ومِن أمثلتِه: عَبدريّ ومَرقسيّ وعَبقسيّ (نسبةً إلى عبد الدار وامرِئ القيس وعبد قيس). وهو نوع من أنواع النحت اللغوي.
والشاهدُ الثالثُ هو قولُه: «لم ترَى» بإثباتِ حرفِ العلة مع الجازمِ؛ ووُجّه على توجيهين:
أوّلُهما: أنّه جاء بالفعل على تقديرِه محقَّقَ الهمزة على الأصل (لمْ تَرْأ)، ثم سهّل الهمزةَ فصار «تَرى»، فهذه الألف مسهَّلةٌ عن الهمزة التي هي عينُ الفعل، أمّا الألفُ التي هي لامُ الفعل فهي محذوفة للجزم. وعلى هذا الوجه يكون الصحيح في رسم الألفِ أنْ تكون قائمةً هكذا: «كأن لمْ تَرا».
والآخَرُ: أنه جَرى في هذا اللفظ على إحدى لغات العرب، إمّا على أنّ هذا إشباعٌ للحركة وحرفُ العلةِ الأصليُّ محذوفٌ للجزم، أو على تقدير السكونِ على حرفِ العلة حملًا على الصحيح. وبهذه اللغة وُجّهت قراءةُ ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِي وَيَصۡبِرۡ﴾.
وفي اللفظ روايةٌ أخرى لا إشكالَ فيها، وهي أنْ يكونَ الفعل بالياء للمخاطَبة «كأن لمْ تَرَيْ» فيكونَ جزمُه حذفَ النون، وفيه شاهدٌ بلاغيٌّ على الالتفاتِ مِن الغَيبة إلى الخِطاب، على نحوِ قولِه تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ﴾.
وأمّا الشاهدُ الأخيرُ فهو في قوله: «يَمانِيَا» بتخفيفِ ياءِ النسب؛ وذلك أنّ الأصلَ فيه (يَمَنِيّ) ثم خُففت ياءُ النسب وعُوّض عن تشديدها ألفٌ زائدةٌ، ومثلُها (في التخفيف والتعليل): شَآمٍ، وتَهامٍ (بتقدير رده إلى «تهم»). وكلُّها يُعاملُ معاملةَ المنقوصِ المنصرف.
والله أعلى وأعلم.
#مقاميات
February 21, 2026 1.3K 8