نسبة القول بجواز المسح على الجوربين الرقيقين إلى أبي يوسف ومحمد
يقول النووي في المجموع: «وحكى أصحابنا عن عمر وعلي رضي الله عنهما جواز المسح على الجورب وإن كان رقيقًا، وحكوه عن أبي يوسف ومحمد وإسحاق وداود، وعن أبي حنيفة المنع مطلقًا، وعنه أنه رجع إلى الإباحة».
والنووي هنا لا ينقل نصًا من مصدر حنفي، وإنما يقول: «وحكى أصحابنا»؛ أي إن هذه النسبة منقولة إليه عن طريق أصحاب المذهب الشافعي، لا عن طريق نص من كتب المذهب الحنفي.
وعند الرجوع إلى المصادر الحنفية تتوضح صورة المسألة ؛ إذ يقول الكاساني في بدائع الصنائع: «وأما المسح على الجوربين، فإن كانا مجلدين، أو منعلين، يجزيه بلا خلاف عند أصحابنا، وإن لم يكونا مجلدين، ولا منعلين، فإن كانا رقيقين يشفان الماء، لا يجوز المسح عليهما بالإجماع، وإن كانا ثخينين لا يجوز عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد يجوز».
فالنص صريح في أن الجوربين الرقيقين اللذين يشفان الماء ليسا محل خلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه، وإنما محل الخلاف هو الجوربان الثخينان غير المجلدين ولا المنعلين؛ فأبو حنيفة يمنع المسح عليهما، بينما يجيزه أبو يوسف ومحمد.
أما الجورب الرقيق الذي يشف الماء، فقد نص الكاساني على عدم جواز المسح عليه بالإجماع.
وعليه، فإن إطلاق عبارة النووي: «وحكوه عن أبي يوسف ومحمد» لا يصح أن يُفهم بمجرده على أنهما أجازا المسح على الجورب الشفاف الرقيق الذي يشف الماء؛ لأن هذا التعيين يحتاج إلى نص صريح، وهذا غير موجود.
وهنا لا بد من التمييز بين «الرقيق» وبين «الشفاف الذي تظهر البشرة من ورائه»؛ فليس كل ما وصف بالرقة يلزم أن يكون شفافًا أو غير صالح للمسح.
وعليه، فالعبرة ليست بمجرد سماكة الجورب أو رقته باعتبارهما وصفين شكليين، وإنما بما يتحقق بهما المقصود من شروط المسح. فإذا كان الجورب ساترًا لا يشف الماء، ويمكن تتابع المشي فيه، ويتحقق فيه ما اعتبره الفقهاء من صفات الجورب الذي يصح المسح عليه، فقد تحققت الأوصاف المقصودة، سواء حصل ذلك بسبب ثخانة مادته أو بسبب طبيعة صناعته وتركيبه.
ومن هنا يمكن القول إن الثخونة ليست بالضرورة مقصودة لذاتها، وإنما هي وصف يُقصد به تحقيق ضابط معين؛ فإذا تحقق ذلك الضابط بغير الثخونة، كأن يكون الجورب مصنوعًا من مادة تحقق الستر والمتانة وإمكان تتابع المشي، فلا يلزم أن يكون سميكًا بالمعنى المتعارف.
وبهذا يظهر أن العبرة بالوصف المؤثر في الحكم، لا بمجرد اسم «رقيق» أو «ثخين»؛ فلا يصح جعل كل جورب رقيق غير صالح للمسح، كما لا يصح جعل كل جورب ثخين صالحًا له، وإنما ينظر إلى الأوصاف التي من أجلها اعتبر الفقهاء الثخانة والستر وإمكان المشي. والله أعلم.





