❁ مَن الذي رد عليه مسلم في كتابه «الانتفاع بأهب السباع»؟
○ قصد الباحث هنا إلى التعريف بكتاب مسلم وجمع النقول عنه، وقد أحسن في هذا جزاه الله خيرا.
○ ولكنه ذكر أن كتاب مسلم ردٌ على كتاب محمد بن نصر الترمذي، ونفى أن يكون أبا عبد الله المروزي، ولم يذكر ما يدل على أن محمد بن نصر الترمذي هو صاحب الكتاب سوى أنه ذكر رؤيا مفادها أن محمد بن نصر الترمذي لم يكن له حسن رأي في الشافعي، ثم رأى النبي ﷺ فأثنى ﷺ على الشافعي، ثم كَتب كُتب الشافعي بعد الرؤيا.
وهذا لا يدل على أنه رد على الشافعي.
○ والصحيح أن الكتاب لمحمد بن نصر المروزي الحافظ المشهور صاحب كتاب تعظيم قدر الصلاة والسنة وغيرهما.
ويدل على هذا أمور:
• أن الزركشي نقل قول أبي منصور البغدادي: «وبالغ مسلم بن الحجاج في الثناء على الشافعي في كتاب «الانتفاع بجلود السباع»، وفي كتاب «الرد على محمد بن نصر المروزي».
الذهب الإبريز: (٣١١).
وقد نقله ابن حجر في التهذيب: (١١/ ٢٨٠)، ولم يذكر المروزي. فيحتمل أن يكون ابن حجر اختصر ذلك، أو يكون التعيين من الزركشي، وعلى كلٍ فهي قرينة مفيدة.
ويفهم من كلام أبي منصور أنهما كتابان لمسلم، والذي يظهر أنه كتاب واحد.
• قول ابن عبد البر وهو يتكلم عن عكرمة: «وأما قول سعيد بن المسيب فيه، فقد ذكر العلة الموجبة للعداوة بينهما أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي في كتاب «الانتفاع بجلود الميتة».
التمهيد: (٢/ ٣٣).
ومسلم تعرض في رده لعكرمة فقال: «ثم أقبل صاحب الوضع في جلود السباع والميتة يعطف على الشافعي محمد بن إدريس يعيره بالرواية عن أقوام فيقول: لو أن الشافعي اتقى حديث فلان وفلان من الضعفاء لكان ذلك أولى به من اتقائه حديث عكرمة الذي أجمع عامة أهل العلم على الاحتجاج بحديثه».
بيان خطأ من أخطأ على الشافعي للبيهقي: (٣٣٢- ٣٣٣).
• أن محمد بن نصر المروزي له تعقبات على الشافعي، منها قوله:
«فقد أثبت الشافعي في هذه المسألة نسخ الكتاب بالسنة؛ لأنه أثبت الجلد مع النفي على البكرين عند نزول الآية في جلد الزانيين الجلد بالكتاب والسنة والنفي بالسنة، وكذلك أثبت الجلد مع الرجم على الثيبين عند نزول الآية بحديث عبادة: الجلد بالكتاب والسنة والرجم بالسنة، وزعم أن ذلك أول حد الزانيين الثيبين، ثم زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك رفع الجلد عن الثيبين وأثبت عليها الرجم، فأقر بأن الجلد الذي كان واجبا على الثيبين بكتاب الله عند نزول الآية قد رفعه النبي صلى الله عليه وسلم عنهما بعد ذلك، فصار الجلد عنهما منسوخا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا بحمد الله واضح غير مشكل».
السنة للمروزي: (٩٧).
◾️ تنبيهات:
• قال ابن الصلاح في ترجمة ابن نصر المروزي: «وهو صاحب اختيار، وربما تذرع متذرع بكثرة اخياراته المخالفة لمذهب الشافعي إلى الإنكار على الجماعة العادين له في أصحابنا، وليس الأمر كذلك، لأنه في هذا بمنزلة ابن خزيمة، والمزني، وأبي ثور قبله، وغيرهم. فلقد كثرت اختياراتهم المخالفة لمذهب الشافعي، ثم لم يخرجهم ذلك عن أن يكونوا في قبيل أصحاب الشافعي معدودين، وبوصف الاعتزاء إليه موصوفين».
طبقاته: (١/ ٢٧٧-٢٧٨).
قلت: مع ثبوت رد ابن نصر المروزي على الشافعي يبعد ما ذكره ابن الصلاح؛ فإن ابن نصر رد على الشافعي وشنع عليه كما ذكر مسلم، وهذا لا يصدر من منتسب لمذهبه، فضلا عن كثرة مخالفته له، وأما ماذكره عن ابن خزيمة والمزني فهؤلاء ينتسبون للشافعي أصلا، ومحمد بن نصر -حسب علمي- لا ينتسب إلى الشافعي، وهذا فرق ظاهر.
ثم إن التمذهب لم يتمحض في تلك الحقبة، فابن جرير له مذهب مستقل، ولو نسب ابن نصر لأحمد وإسحاق لكان أقرب؛ فإنه أخذ عنهما، وأكثر عن إسحاق لأنه سكن نيسابور.
والبحث في ذلك يحتاح مزيد تأمل.
• الرؤيا التي وقعت لمحمد بن نصر الترمذي، نقلها أبو نعيم في الحلية: (٩/ ١٠٠) -وفي سنده تحريف يصحح من تاريخ بغداد: (٢/ ٢٣٤)-، والبيهقي في مناقب الشافعي: (١/ ٢٧٢)، وغيرهما، وهي صحيحة عنه.
وقد وهم أبو إسحاق الشيرازي في طبقاته: (١/ ١٠٧)، فذكرها في ترجمة محمد بن نصر المروزي مرسلة بقوله: «روي عنه أنه قال: كتبت الحديث.. »، ثم ذكر الرؤيا.
وتبعه على هذا الوهم جماعة، منهم: النووي في تهذيب الأسماء: (١/ ٩٤)، والذهبي في السير: (١٤/ ٣٨)، وابن كثير في طبقات الشافعيين: (١٨٧)، والسبكي: (٢/ ٢٤٩)، وغيرهم.
• محمد بن نصر الترمذي اسمه التام: محمد بن أحمد بن نصر الترمذي أبو جعفر، انظر ترجمته في تاريخ بغداد: (٢/ ٢٣٣). وتوفي ٢٩٥ بعد محمد بن نصر المروزي بسنة.
وﷲ أعلم.
August 25, 2026 178 4