لا «شعب موحد» بدون سياسة تعليمية موحدة (١) كتب لي أحد الأصدقاء: دكتور… — علي المَدَن | Ali Almadan — TG.ME

لا «شعب موحد» بدون سياسة تعليمية موحدة
(١)
كتب لي أحد الأصدقاء:

دكتور أنت تعمقت في فكر الحصري، وقرأت آلاف الصفحات عنه وعن فكره. أتمنى أن تكتب لنا عن سياساته في التعليم، من زاويتين:
سياساته التعليمية في ضوء التنوع الثقافي والتفاوت المعرفي والجغرافي والبيئي والتراثي في العراق، وقارن بين تجربته الوحدوية المركزية في العراق والتجارب الوحدوية للدول الأخرى كالسعودية مثلاً.. ثم انظر إلى أثر هذه الرؤية على بناء الأمة العراقية بالنجاح أو الفشل.
أثر فكر الحصري التربوي في تكوين العقل السياسي العراقي منذ أربعينيات القرن، العقل القومي المتشبع بفكر الحصري، واثر ذلك الفكر في بناء الأمة العراقية..

وقبل ذلك كله، يبقى السؤال هل يصح بناء أمة عراقية مزدهرة - وهو مشروع الملك الراحل فيصل - من مجتمع متباين لغويا وثقافيا واجتماعيا وتراثيا على أسس نظرية قومية قوامها : اللغة والتاريخ.

+ـ+ـ+ـ+ـ+ـ+ـ+

تحية لكم صديقي الكريم؛

لقد طلب مني أشخاص كثيرون، ومنهم أصدقاء، أن أخصص عدة محاضرات لدراسة حياة وفكر الحصري، وهو موضوع مهم في نظري، لعلني أقوم به في فرصة قريبة إن شاء الله.
أتفق معكم أن الزاويتين اللتين أشرت إليهما في غاية الأهمية، وتحتاج كل واحدة منهما إلى وقت خاص لبحثها وتوضيح ما يكتنفها من ظروف وملابسات؛ ولكنني هنا أود فقط أن ألفت عنايتك إلى نقطة واحدة تتعلق بالزاوية الأولى، وهي: «السياسة التعليمية الموحدة في بلد متنوع».
ككل قضية خلافية، ينبغي أن نبدأ بدراستها أولاً من ناحية تاريخية؛ لأن الأفكار لا تولد في فراغ، وإنما تظهر داخل سياق معين، ثم تتطور وتتغير بتغير ذلك السياق.
قضية «التعليم المركزي ذي التوجه الوحدوي» ظهرت في سياق ثقافي واجتماعي يعود إلى بدايات القرن العشرين، وكان هذا السياق مرتبطاً بتطور الوعي العربي نفسه. فالذين يعيشون اليوم في العراق وسوريا وبلدان عربية أخرى، كانوا، قبل نشوء هذه الدول بصورتها الحالية، ينادون بحقوق العرب بوصفهم عرباً، ويتطلعون إلى دولة عربية مستقلة وموحدة، قبل أن تأتي ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى، ومنها اتفاقية سايكس–بيكو، لتضع هذا المشروع أمام واقع سياسي مختلف.

ولا بأس هنا باستطراد صغير: أنا أستغرب دائماً من الإسلاميين الذين ينتقدون سايكس–بيكو لأنها، بحسب قولهم، «مزقت الأمة الإسلامية»، ثم يدعون إلى إعادة إقامة دولة إسلامية واحدة. هذه، في تقديري، فكرة شديدة السذاجة من الناحية التاريخية والسياسية؛ لأن أصحابها إما لا يعرفون تاريخ الدول الإسلامية، أو يعرفونه ويتغافلون عما شهد هذا التاريخ من صراعات سياسية وطائفية وهوياتية. فالدولة الصفوية نفسها، التي لعبت دورا كبيرا في تعميق الانقسامات السياسية والمذهبية في المنطقة، لم تقم إلا بدوافع سياسية جرى تغليفها بهوية مذهبية. مع ذلك، نأتي بعد قرون، أو يأتي دعاة الدولة الإسلامية الواحدة، ليعيدوا إنتاج فكرة «الدولة الواحدة» وكأن التاريخ لم يقع أو أن الماضي لا قيمة له في توجيه تطلعات الإنسان! أما إطلاق هذه الدعوات في سياق الحالة العراقية تحديداً، فإن شكوكي تزداد كلما سمعت شخصاً يتكلم عنها!! ذلك لأن هذه الدعوات تعني عملياً دعوة صريحة للإطاحة بالكيان السياسي للعراق لصالح دولة مذهبية متخيلة.
❤1
September 3, 2026 80