الندوة الحوارية السابعة
كيف نفهم علاقة الشيعة في العراق بإيران؟
ملخص مداخلتي في الندوة
القسم الأول
أعتقد أن البداية الأفضل لفهم الموضوع هي ألا نتحدث عن «الشيعة» وكأنهم تجربة واحدة.
لدينا نماذج مختلفة لعلاقة المجتمعات الشيعية بإيران: هناك النموذج الأذربيجاني، والنموذج اللبناني، والنموذج الخليجي، والنموذج العراقي، فضلاً عن نماذج أخرى.
في أذربيجان توجد دولة مركزية قوية تضبط العلاقات السياسية والدينية مع إيران. وفي لبنان لدينا نموذج اندماجي واضح يمثله حزب الله. أما شيعة الخليج فعلاقتهم بإيران أكثر حذراً، وهم في العموم أكثر اندماجاً في دولهم الوطنية.
والحالة العراقية لها خصوصيتها.
وأقترح لفهمها أن ننظر أولاً إلى العراق في المخيال الإيراني، ثم ننظر في المقابل إلى إيران في المخيال العراقي.
هناك دراسة لباحث اجتماعي إيراني وهو «فرهاد خسرو خاور» تحدث فيها عن عدد من الصور الإيرانية للعراق. ويمكن توسيعها إلى خمس صور أو متخيلات تقريباً.
الصورة الأولى: العراق أرض المعاناة، أي الأرض التي وقعت فيها مأساة كربلاء ومقتل الإمام الحسين.
الثانية: العراق أرض العتبات؛ أي المكان الذي تتمركز فيه الذاكرة والزيارة والطقوس والمقدسات الشيعية.
الثالثة: العراق أرض العدو البعثي، وهي صورة ارتبطت بالحرب العراقية الإيرانية وبالذاكرة الإيرانية لما يسمونه «الحرب المفروضة».
ويمكن أن نضيف صورة رابعة هي المتخيل القومي الإيراني أو إيرانشهري، الذي ينظر إلى العراق ضمن المجال التاريخي للإمبراطوريات الإيرانية القديمة، لأن العراق كان في مراحل تاريخية جزءاً من نفوذ الأخمينيين والفرثيين والساسانيين.
وهناك صورة خامسة نجدها لدى بعض الإيرانيين السنة، حيث يظهر العراق بوصفه أرض الخلافة الإسلامية وبغداد عاصمة العلم والحضارة الإسلامية.
ويمكن أن نضيف إلى ذلك المتخيل السياسي للنظام الإيراني الحالي الذي ينظر إلى العراق بوصفه جزءاً من «العمق الاستراتيجي» لإيران.
وفي مقابل ذلك، توجد أيضاً صور عراقية مختلفة لإيران.
هناك المتخيل الشعبي القديم الذي يرى إيران باعتبارها «بلاد العجم»؛ بلداً بعيداً وغريباً، مختلفاً عنا لغوياً وثقافياً.
وهناك متخيل رافديني ينظر إلى فارس باعتبارها الخصم التاريخي لبلاد ما بين النهرين؛ أسقطت بابل واستولت على ميراثها الحضاري.
وهناك المتخيل القومي العربي الذي ينظر إلى إيران من خلال الثنائية العربية ـ الفارسية.
ثم هناك المتخيل الشيعي العقائدي الذي برز بصورة أوضح بعد الثورة الإسلامية في إيران، وأصبح ينظر إلى إيران بوصفها حامياً أو عمقاً استراتيجياً أو عقائدياً لشيعة العراق.
وأخيراً هناك المتخيل العراقي الوطني الذي ينظر إلى إيران بوصفها دولة جارة كبيرة ومؤثرة، يجب التعامل معها بالمصالح والحذر والاستقلال، لا بالعداء ولا بالتبعية.
المشكلة الأساسية، في رأيي، هي في المتخيل الشيعي العقائدي.
الدول الإيرانية المتعاقبة، منذ العصر الصفوي والقاجاري، اهتمت بالعتبات وبعلاقتها الدينية بالعراق، لكنها في معظم تلك المراحل لم تكن تطالب بالأهالي الشيعة العراقيين باعتبارهم جزءاً من الدولة الإيرانية، نما تطالب بسدنة العتبات أو الإشراف على إدارتها.
التحول الكبير حصل مع الإسلام السياسي الحديث، ثم بصورة أوضح بعد الثورة الإيرانية عام 1979.
فحركات الإسلام السياسي الشيعي بدأت تتحدث عن الأمة الإسلامية والمشروع الإسلامي العابر للحدود. ومع نجاح الثورة الإيرانية اكتسب هذا التصور لأول مرة نموذجاً سياسياً قائماً وناجحاً في نظر أتباعه.
في العراق لم يتحول هذا التصور سريعاً إلى وعي شعبي واسع، لكن بعد عام 2003 استطاعت قوى الإسلام السياسي الشيعي أن تقدم إيران بوصفها حامية للنظام السياسي الجديد، ثم حامية للشيعة أنفسهم، ولا سيما بعد الحرب الطائفية ثم ظهور داعش.
ومن هنا نشأت مفردات مثل «إيران عمقنا الاستراتيجي» أو «عمقنا العقائدي».
Forwarded fromكل ما يتعلق بالدكتوراه
3
1September 5, 2026 57