سنة 448 هجرية: أسطورة التدشين الطائفي لحوزة النجف
(٢)
(الأولى) أن الاضطرابات الأهلية التي عرفتها بغداد في ذلك العصر لا يصح اختزالها في ثنائية بسيطة من نوع «السنة ضد الشيعة». فقد كانت شبكة الصراع أكثر تعقيدًا، وتداخلت فيها الانتماءات المذهبية بالقومية والعسكرية والسياسية؛ فكان للديلم موقع، وللأتراك موقع آخر، وكان كل طرف مرتبطًا بقوى ومراكز نفوذ داخل السلطة. كما أن الجماعات المذهبية نفسها لم تكن كتلًا متجانسة تتصرف بوصفها «سنة» و«شيعة» بالمعنى الحديث لهاتين الكلمتين.
والأهم من ذلك أن الخروج من بغداد بسبب الاضطرابات وانعدام الأمن لم يكن مصيرًا خاصًا بعلماء الشيعة. فإذا كان الشيخ الطوسي قد غادر بغداد سنة (448)، فإن أبا الحسن علي بن محمد البغدادي، وهو عالم سني حنبلي، كان قد غادرها قبل ذلك، في سنة (445)، متوجهًا إلى «آمد»، حتى عُرف بالآمدي، وتوفي فيها سنة (467). وهذا وحده يفرض الحذر في تحويل خروج الطوسي إلى دليل مستقل على وجود سياسة اضطهاد مذهبي أحادية الاتجاه؛ إذ قد يكون انتقال العلماء، من مذاهب مختلفة، جزءًا من ظاهرة أوسع هي اضطراب بغداد السياسي والأمني والاجتماعي.
أما الملاحظة (الثانية)، وربما كانت أكثر دلالة، فهي أن الطوسي غادر بغداد وحده، في حين بقي فيها علماء إمامية كبار لا يقل بعضهم عنه شأنًا في الوسط الشيعي آنذاك. ومن أبرزهم أبو يعلى محمد بن الحسن الجعفري، المنسوب إلى جعفر بن أبي طالب، وهو صهر الشيخ المفيد والقائم مقامه، ومن تلامذة الشريف المرتضى، وكان فقيهًا ومتكلمًا ومن وجوه الإمامية في بغداد. وقد توفي سنة (463) على قول النجاشي، أو سنة (465) على قول الذهبي.
وبقي فيها كذلك أبو العباس أحمد بن علي النجاشي الأسدي، صاحب كتاب الرجال الشهير، إلى ما بعد سنة (463) على أقل تقدير؛ إذ ترجم لأبي يعلى الجعفري وذكر وفاته، وهو ما يعني أنه أدرك ذلك التاريخ. وهذه الحقيقة مهمة؛ لأنها تضعف التصوير الذي يجعل بغداد بعد سنة (448) بيئة طاردة للعلماء الإمامية بوصفهم «إمامية». فلو كان خروج الطوسي نتيجة حملة عامة تستهدف الوجود العلمي الشيعي في المدينة، يصبح من المشروع أن نسأل: لماذا بقي هؤلاء؟ وكيف استمرت مواقعهم ونشاطاتهم فيها؟
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين كثيرًا ما يجري دمجهما: أن يكون الطوسي قد تعرض بالفعل للأذى أو الخطر في سياق الاضطرابات التي شهدتها بغداد، وأن يكون ذلك الأذى تعبيرًا عن مشروع منظم لـ«قمع الشيعة» أدى إلى هجرة زعيمهم وتأسيس حوزتهم في المنفى. إن إثبات الأول، حتى لو تم بصورة قاطعة، لا يثبت الثاني تلقائيًا. فالانتقال من الواقعة إلى تفسيرها يحتاج إلى أدلة مستقلة، كما أن الانتقال من إقامة الطوسي في النجف إلى القول بتأسيس «حوزة علمية» يحتاج إلى إثبات الاستمرار المؤسسي بعده.
ختاماً، ينبغي أن أضيف هنا أن إعادة النظر في سنة (448هـ) بوصفها لحظة تاريخية تأسيسية لا تنتقص من مكانة النجف ولا من تاريخها العلمي، بقدر ما تعيد تفكيك «الأصل التاريخي الطائفي» الذي يراد ربط تاريخ هذه المدينة وحوزتها به. وهذا التفكيك التاريخي نحن اليوم بأمسّ الحاجة إليه؛ ذلك لأنه يفتح أمامنا طريقاً منهجياً للانتقال من إعادة إنتاج السرديات الطائفية إلى دراسة الظروف والسياقات التي شكّلتها.
9
1August 31, 2026 303 1 6