بين العقل واللاعقل
سعة الاطلاع - في المجمل - عمل نافع ونادر يحتاج إلى همّة ووقت وصبر، ولكن كل هذه المعلومات الداخلة إلى الذهن يجب أن تعالَج، يجب أن تتفاعل مع المعلومات السابقة ويُنظَر في تلك المعلومات الجديدة ويُتَنبَّه إلى ماذا تفضي وما يلزم منها.
وكثرة القراءة لنمط معين من التفكير تجعلُ العقلَ يفكّر بذلك النمط، فالعقل يمارس نوعا من المحاكاة الفكرية لطريقة التفكير التي يُكثر من مطالعتها، لذا تجد من قرأ كثيرا في كتب المنطق - مثلا - لا يلبث أن ترِد عليه أفكار واعتراضات يجدها بعينها عند بعض علماء المنطق وليس هذا إلا لأنه اعتاد التفكير بهذه الطريقة وأُشرِبَ بها عقلُه.
ثم القراءة للتعقل الجيد تورث العقل طريقة تعقّل جيدة، والقراءة للتعقل السيء تورثث العقل طريقة تعقل سيئة، لذا يجب مداومة سلوك الطريقة الصحيحة للتعقل ومع العلم بالطريقة السيئة يجب البعد عنها، وإلى هذا يشير المعلّم الأول أرسطوطاليس حيث يقول في أواخر الفصل الثاني من التحليلات الثانية: ومع ذلك، أيما امرئ أراد اقتناء العلم من طريق البرهان، فيجب عليه ألا يكتفي بكون المبادئ عنده أكمل تصديقا ومعرفة من الأمور التي تتبرهن بها، بل يجب مضافاً إلى ذلك ألا يكون شيء من المبادئ المقابلة (وهي التي يستعملها المجادلون بالباطل في حججهم وبسببها يقع الغلط) أوجب لتصديقه به، أو آلف عنده، منها؛ إذ يجب على كل من يعلم شيئاً ما بنحو مطلق أن يكون عادماً لاستعداد أن يتم إقناعه بتغيير حكمه.اهـ
وتنبه إلى أن كلامنا في طريق الوصول لا في النتيجة، فلا يكفي أن تجد غيرك وصل إلى عين نتيجتك فتنظر في كلامه وتأنس به، وهذا مورِدٌ لو تأملته عظيم.
ولكن ما الغرض من ربط سعة الاطلاع بذلك؟
أقول: إنني وجدتُ قوما ما اقتصر علمهم على طريقة الجدل بالباطل والمطالعة لأهلها بل طالعوا كلام الحكماء ورأوا براهينهم، فخرجوا لنا مسوخا يتبعون - تقليدا - كلام أوليائهم وملقّنيهم، ويتنكّرون لكلام الحكماء فيُخرجون منه السيء والضعيف بزعمهم.
فالواجب على هؤلاء أن يقتصر علمهم واطلاعهم على كلام قومهم الفاسد فيتعوّد عقلهم طريقة سيئة في التفكير تحصرهم ويعيشوا بذاك ويموتوا عليه إلا أن يشاء الله.
والواجب على غيرهم أن يطّلعوا أوّلا على كل كلامٍ حق كتبه أحد الرجال الصادقين في زمن ما، ثم يزِنوا ذلك بعقولهم، وعليهم أن يتجنبوا - أولا - مطالعة كلام المجادلين بالباطل وأشباههم، ثم بعد أن يستفرغوا الوسع في العلم البرهاني يمكن لهم مطالعة كلام غيرهم لمعرفة مراميهم وحججهم واستخراج الفوائد من كلامهم إن كان يوجد.
ولا أحب أن أعيّن الأسماء ولكن لعلها في مقامي تفيد، فمثال ما أتكلم عنه مَن تجده يقرأ لأرسطوطاليس وابن رشد والرازي ثم بعد ذلك يقرأ لابن تيمية والألباني وابن باز!
فهذا هو المراد بكلامي، فليقتصر هو على قراءة قومه أعني ابن تيمية والألباني وابن باز ونحوهم وليقتصر غيره على مطالعة كلام الحكماء، وهذا الحَجْر والقصر هو عينُ ما يوصي به أئمتُهم، ألم يُلقِّنوهم أن الفلسفة شر والمنطق مدخل للفلسفة ومدخل الشر شر؟
فليدَعوا الشر لأهله وليقتصروا على تحصيل الخير - زعموا - حتى يكون عقلهم في درجةٍ أقل من الضلال، وإلا فهم بطريقتهم هذه لا يزدادون إلا ضلالا، فالكلام الحق قد يكون ضلالا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ.
Forwarded fromفي ظلال المعقول | محمود نبيل
June 26, 2026 1.8K 4