جزء كبير من هذه القواعد لا يشفّر بروتينات، وكان يُطلق عليه سابقًا اسم “DNA قمامة”، إلا أن هذا الوصف غير دقيق بالكامل؛ إذ تبيّن أن جزءًا منه له وظائف تنظيمية، بينما يمثّل جزء آخر بقايا تطورية أو جينات معطّلة (جينات زائفة). أما الفرضية القائلة بأن إزالة معظم هذا الجزء لا تؤثر على الكائن الحي فهي غير مثبتة علميًا، لأن حذف مقاطع واسعة من الـ DNA قد يؤدي إلى اضطرابات خطيرة. ومع ذلك، فإن وجود جينات معطّلة وبقايا غير فعّالة يُعد دليلًا على تاريخ تطوري سابق، حيث تم إيقاف بعض الجينات التي فقدت فائدتها عبر الزمن، مثل الجينات المرتبطة بوجود الذيل.
تتكوّن هذه القواعد في الأصل من مركّبات كيميائية تُعرف بـ الأدينين، والثايمين، والغوانين، والسيتوسين، وهي ذرات مرتبة بشكل معيّن ومرتبطة بسكّر منقوص الأكسجين. لا يقوم الـ DNA بترتيب الأحماض الأمينية مباشرة، بل تنتقل المعلومات منه إلى الـ RNA، الذي يُستخدم لاحقًا في تصنيع البروتينات. تقوم البروتينات ببناء الخلايا، والخلايا تُكوّن الأنسجة، والأنسجة تُكوّن الأعضاء، ومن مجموعها يتكوّن الكائن الحي. يوجد الـ DNA داخل الخلية على شكل كروموسومات.
الفرق بين الشجرة والإنسان لا يكمن في وجود الـ DNA من عدمه، بل في تسلسل الكود الجيني وتنظيم التعبير الجيني. يبلغ التشابه الجيني بين البشر حوالي 99.9%، بينما يبلغ التشابه بين الإنسان والشمبانزي قرابة 98–99% بحسب طريقة القياس، وهو من أقوى الأدلة الجزيئية على وجود سلف مشترك. وحتى بين الإنسان والبكتيريا يوجد قدر من التشابه الجيني، خاصة في الجينات الأساسية المشتركة بين جميع الكائنات الحية.
كيف يُقاس التشابه الجيني؟
إحدى الطرق المستخدمة تاريخيًا هي التهجين الجيني (DNA-DNA hybridization)، حيث يتم تسخين الـ DNA إلى درجة تقارب 85°م فينفصل الشريطان عن بعضهما. عند خلط DNA مفكك لإنسان مع DNA مفكك لشمبانزي، يمكن أن ترتبط السلاسل المتشابهة معًا. ولأن قوة الارتباط تكون أضعف من ارتباط DNA الإنسان بنفسه، فإن فصلها يتطلب درجة حرارة أقل (نحو 80–82°م). كلما زاد التشابه الجيني، زادت قوة الارتباط واحتجنا إلى درجة حرارة أعلى للفصل. هذه الطريقة تعطي تقديرًا تقريبيًا للتشابه وليست مقياسًا دقيقًا ثابتًا، وقد استُبدلت اليوم بتقنيات تسلسل الجينوم الحديثة.
بعض الأمثلة التقريبية للتشابه الجيني (تختلف حسب المنهج المستخدم):
إنسان وشمبانزي: ~98–99%
إنسان حديث وإنسان نياندرتال: ~99.7–99.8%
إنسان وفأر: ~80–85% في الجينات الأساسية
إنسان ودجاجة: ~60%
إنسان وقط: ~85–90%
إنسان وخلد الماء: ~80–85%
الجينات الزائفة:
هي جينات معطّلة لم تعد تؤدي وظيفتها الأصلية، لكنها ما زالت محفوظة داخل الجينوم. في بعض الحالات النادرة قد تظهر سمات بدائية بسبب اضطرابات نمائية، كما في وجود بقايا أطراف خلفية لدى بعض الحيتان، وهو دليل واضح على أصلها البري. تم تعطيل هذه الجينات لأنها فقدت فائدتها، لكن بقاءها محفوظة يشير إلى التاريخ التطوري للكائن.
من أشهر الأمثلة على ذلك جين GULO، وهو الجين المسؤول عن تصنيع فيتامين C. هذا الجين يعمل في معظم الثدييات، لكنه معطّل في الإنسان وبقية الرئيسيات بسبب طفرات متشابهة، نتيجة اعتماد هذه الكائنات على مصادر غذائية غنية بفيتامين C مثل الفواكه والخضراوات. وجود الجين نفسه معطّلًا وبنفس الأخطاء الجزيئية في الإنسان والشمبانزي والغوريلا يُعد دليلًا قويًا على السلف المشترك، خاصة مع التشابه الكبير في بقية الجينات بين هذه الرئيسيات.
27
4
1January 31, 2026 1.2K 6 5