منَ النِّعم الغُفْل التي احتفى بها الأصوليُّ:
قد تنظر للغة نظرةَ إكبار وإجلال لِما اجتمع فيها من بهاء وحُسْنٍ يعزُّ نظيرُه فيما سواها من اللُّغات، ولكنك قد تغفُل عن عدِّها نعمةً تحتاجُ إلى مزيد شُكْرٍ!
إلا أنَّ من الأصوليين من احتفى بإيجاد اللغات وإحداث الله لها، واعتبارها من جملة ألطاف الله بـعباده، كما قال ناظمُ «مراقي السُّعود»:
"من لطف ربنا بنا تعالى
توسيعُه في نطقنا المجالا"
وحُقّ للأصولي الاحتفاء بها، فإنها منةٌ أيُّ منةٍ!
وزاد ربُّنا الأصوليَّ منةً إذ فقهه في صنعته فتفطَّن للنِّعم الغُفْل ليقوم بحقِّها، ويرشد من بعده على سبيل شكرها.
ومن ذلك مقالة البِرماوي (ت٧٦٣) في شرحه للألفيَّة: «مِن لطف الله تعالى حدوث الموضوعات اللغوية ليُعَبَّر بها عمَّا في الضمير، سواء قلنا: الواضعُ الله تعالى أو البشر بإقداره تعالى وإلهامه.
ووَجْه الحاجة إلى ذلك: أنَّ الله عز وجل لَمَّا خلق النوع الإنساني وجعله محتاجًا لأمور لا يستقل بها بل يحتاج فيها إلى المعاونة، ولا بُد للمعاون مِن الاطلاع على ما في نفس المحتاج إليه بشيء يدل، وذلك إما لفظ أو إشارة أو كتابة أو مثال، وكان اللفظ هو أكثر إفادة وأيسر».
ثُم يعلل كونَ اللفظ أكثر إفادة وأيسر، فيقول:
«أما كونه أكثر إفادة: فلأنَّ اللفظ يقع على المعدوم والموجود، الغائب والحاضر، الحسي والمعنوي، ولا شيء مِن الباقي -أي: الإشارة والكتابة- يستوعب ذلك.
وأما كونه أَيسر: فلأنه موافق للأمر الطبيعي؛ لأن الحروف كيفيات تعْرِضُ للنَّفَس الضروري، ولا شك أن الموافق أسهلُ من غيره».
ثُمَّ كان للفناريِّ (ت٨٨٦) مَلحظٌ رائق جدا -وهذا ما سقتُ الكلام لأجله- ذكره في حاشيته على حاشية الشريف الجرجاني (ت٨١٦) في جملة الحواشي على «مختصر المنتهى»، ومفاده: أنَّ من يتكلم باللُّغة مع انعقاد ضميره على أنَّها من لُطْفِ الله= فهو شاكرٌ لله من هذه الحيثيَّة، قياسًا على من يتفكَّر في خلق السَّماوات والأرض ودقائقهما مثبِتًا ذلك إلى الله تعالى فإنه حين إذٍ يكون شاكرًا لله مقرًّا بنعمائه!
فسبحان الله: كم من مسألة سبر غورَها الأصوليُّ بمسبار النَّظر واستخرج ركازها بحدِّ الفكر، ثُمَّ يسلك غيرُه مسالكها ولكنَّه لا يسدُّ مسدَّ صاحبِنا في تعرُّضه وحسن تهدِّيه للمعاني!
فالحمد لله كثيرا كما أنعم كثيرا.