لِم لَم يرو البخاري عن الشافعي في صحيحه؟!
مَردَ غير قليل من الناس على الشَّافعي والامتراء في مقامه لأن أبا عبد الله البخاري لم يرو عنه في صحيحه، فرفع أحدُهم سؤالاً إلى الخطيب البغدادي يسأله عن بيان علَّة التَّرك، فاجتوى الخطيبُ مقالتهم وطرَّز رسالةً فنَّد فيها دعواهم، وفَلَج حُجَّتَهم وفَلَّهَا حتى علِم منبع قولهم، وأبان فيها عن علّة ترك أبي عبد الله البخاري للرواية عن أبي عبد الله الشَّافعي، فقال في الردِّ عليهم:
والذي نقول في ترك البخاري الاحتجاج بحديث الشافعي إنما تركَه:
أ. لا لمعنى يوجب ضعفه لكن غَنِي عنه بما هو أعلى منه وذلك أن أقدم شيوخ الشافعي الثقات الذين روى عنهم: مالك بن أنس وعبد العزيز الدراوردي وداود العطَّار وسفيان بن عيينة.
ب- والبخاري لم يلتقِ الشافعي.
ج- وطلبًا لعلوّ الإسناد لم يستحب البخاري أن يروي حديثًا عن رجل عن الشافعي عن مالك، وقد حدَّثَه به غيرُ واحد عن مالك -لأنَّ علوَّ الإسناد يقدَّم على نازلِه-، مع كون من حدَّث البخاريَّ أكبر من الشافعي سنًا وأقدم سماعًا.
فهذه أمور ثلاث جعلتِ البخاريَّ ومسلمًا بن الحجَّاج يعدِلان عن الرِّواية عن الشَّافعي.
ثُمَّ عرض شبهتين للقوم وكسر سَورَتهما بجوابه عليهما:
الشُّبهة الأولى:
فإن قيل: البخاري أورد حديثا نازلا وهو عنده عال، فلِم لم يرو عن الشَّافعي؟!
قيل: إن البخاري لم يرو في الصحيح حديثا نازلا وهو عنده عال إلا: لمعنى في النازل لا يجده في العالي، أو يكون أصلا مختلفا فيه، فيذكر بعض طرقه عاليا ويردفه بالحديث النازل متابعة لذلك القول، فأما أن يورد الحديث النازل وهو عنده عالٍ لا لمعنى يختصُّ به، ولا على وجه المتابعة لبعض ما اختُلِف فيه فغيرُ موجودٍ في الكتاب.
ثمَّ: لم يَفُت الأيمة الكبار من الحفَّاظ أن يخرجوا للشافعي، مثل: الترمذي، وابن خزيمة، وعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، فإن كانت حجة الخصم أن الكبار فاتتهم الرواية عنه، فهاك ما قدَّمنا، على أن مَن تركه العلماء ولم يرووا عنه لا يكون تركهم له قرينة على جرحه أو القدح فيه، والتضعيف له.
والشُّبهة الثَّانية:
فإن قالوا: إنَّما عدل البخاري عن الاحتجاج برواية الشَّافعي لقلة علمه كان بالحديث وعللِه، ومعرفة أسانيده وطرقه، وتمييزه صحيحه من سقيمه، وأحوال رواته ونقلَته.
فتفطَّن الخطيبُ لمنزع قولهم، فقال: وأظن صَاحبهَا تأوَّل قول أحمد بن حنبل في الخبر الذي رواه عن الشَّافعي أنه قال: «أَنْتُم أعلم بالأخبار الصِّحَاح منا فَإِذا كَانَ خبر صَحِيح فَأَعْلمنِي حَتَّى أذهب إِلَيْهِ كوفيا كَانَ أَو بصريا أَو شاميا».
وإنما أراد الشافعي إعلام أحمد بن حنبل أن أصله الذي بنى عليه مذهبه= الأثر دون غيره فيما ثبت النص بخلافه، وأشار إلى أن أصحاب الحديث أشد عناية من غيرهم بتصحيح الأحاديث وتعليلها، وأكثر بحثا عن أحوال الأمة في جرحها وتعديلها، ليستخرجَ بذلك ما في نفس أحمد ويسبرَه؛ هل يجد عنده طعنا عليه أو عيبا فيما يذهب إليه أو خبرا يخالف أصله، أو أثرا ينقض قوله.
وهذا يدل على قوة نفسه فيما أصَّله، وإتقانِه قاعدة مذهبه وما شيده. اهـ
رسالة: الاحتجاج بالشَّافعي: صـ٣٨-٥٠، للخطيب البغدادي (ت٤٦٣هـ).