في القصيدة التي مطلعها:
أمن طللٍ أقوى من الحي ماثلُه
تُهيّجُ أحزان الطَّروب منازلُه
يقول كثيّر عزّة مادحًا نفسه:
[كريمٌ] يُميت السرَّ حتى كأنّه
إذا [استخبروه] عن حديثِك جاهلُه
وقد يمرّ القارئ بلفظة [كريم] في صدر البيت فيَعُدّها من النعوت التي يرصفها الشعراء لتستقيم لهم الأوزان وتتهيأ لهم مقدّمات المدح، ثم يجاوزها إلى ما بعدها لأنّ ما بعدها هو الصورة المطلوبة فلا يجد مناسبةً بين الكرم وكتمان السر..
ولكن كُثيّرًا -رحمه الله وسقى قبره- شاعرٌ مطبوع، والشاعر المطبوع لا يبذل صدر بيته حشوًا.. وقد كان له من الألفاظ ما هو أقرب إلى معناه وأدلّ عليه في أوّل النظر، ومنها ممّا يستقيم به الوزن: كتومٌ وحفيظٌ وأمينٌ.
فعدوله عن الأقرب إلى الأبعد لا يُعلَّل بضرورةٍ ولا بوزن ولا بحصر ولا بغلط، وإنما يُعلَّل بأنّ الأبعد أصدق على كل حالٍ كان المقول شعرًا أو نثرًا.
وكانت طرأتْ لي مناسبةُ ما بين الكرم والكتمان ولكنّي طلبتُ الاستيثاق من الرواية، فما وجدتُ في ما بين يدي من نسخ الديوان وكتب الرواية والأدب إلّا أنّ الرواة تعاوروا الشطر الثاني فقالوا استخبروه واستبحثوه واستنطقوه، ولم يعرض أحد منهم لـ [كريم]. والرواية إنما تضطرب في فضول البيت وتثبت في مفاصله، فاتفاقهم على الكلمة إذًا إجماعٌ ضمني على أنّها ليست مما يُستبدل..
وأمّا المناسبة التي وجدتها بين الكرم وكتم الأسرار فهي أنّهما عائدان إلى أصلٍ واحد وهو اتساع الصدر..
فذو الصدر الوسيع كريم صبور على الأذى صبور على الكتمان.
وضيّق الصدر بخيل يضيق صدره عن العطاء وعن استيعاب ما فيه من الأسرار، ويتحرّج بالسر كأنّه منطوٍ على جمرة، فهو أبدًا يضيق بالأسرار ويلفظها سريعًا.
والكرم مقرونٌ بالانشراح والاتساع، والكريم مبسوط اليد والصدر، كالبحر مهما ألقيتَ فيه احتمل وكتم، ولذا وصفوا البحر بأنّه مستودع الأسرار.
ولأنّه يرزق الصيّادين ويهدي الدر واللؤلؤ وصفوه بالكرم..
فكاتم السر كريم كالبحر، والبحر كريم يكتم الأسرار.
وقد يُعترض عند الخاطر الأوّل بأنّ الكرم إخراجٌ وبذل، والكتمان إمساكٌ ومنع، وهما حركتان متضادّتان لا يجمعهما أصل واحد؛ فيقال من أجل ذلك:
- قد كان القياس أن يكون البخيل أكتم الناس للسرّ لأنّ الإمساك صناعته وطبيعته..
والجواب هو أنّ البخيل ليس ممسكًا لما يُظن في إمساكه بأسٌ وإحكام فهو لا يمسك كل شيء وإنما يُمسك ما ينقص منه إذا خرج من يده.. فالبخل في حقيقته ليس امتناعًا عن البذل، وإنما هو امتناع عن البذل بغير عوض ناجز من جنس ما يبذل؛ فإذا لاح العوض بذل البخيل وأسرف في العطاء!
والسر حِمل والبخيل بَؤوح عاجز عن الحمل وليس ينقصه بذل السر شيئًا بل هو قد يتكسّب بالإفشاء..
فبين الأمرين إذًا ما بين القوّة والفاقة.
وضد الكتمان الذي هو من شأن الكريم: البوح الذي هو من شأن البخيل الضيق الصدر كما قلنا، وقد فطن العرب إلى هذا في أصل اللفظ: فالبوح من الباحة، وباحة الدار ساحتها المكشوفة التي لا سقف عليها. فالذي يبوح إنما يُخرج إلى الساحة ما ضاق به جوفه، لأنّ جوفه لم يتّسع لأن يكون هو الباحة. وواسع الصدر باحته في داخله، فلا يحتاج أن ينقل شيئًا إلى خارجه..
ثمّ إن الشاعر قال "يُميت السرّ" ولم يحتل على أن يقول ما معناه: "يكتم السر"، لأن الكتمان حبس، والمحبوس حيٌّ يعالج قيده ويلتمس الفُرجة بين حين وحين، ولذلك كان الكاتم أبدًا في جهاد مع ما عنده، يكاد يفلت منه عند الغضب أو عند الطرب أو عند طول العشرة..
أمّا الإماتة فإتلاف، وهي أن ينزع من الخبر قيمته، فلا يبقى له عنده ثمنٌ يُخشى أن يُساوَم عليه، وهذا أدلُّ على الكرم فالكرم في أصله إتلاف المملوك لغير عوض، والخبر المستودَع مِلكٌ في يد المستودَع، قادرٌ على أن يستثمره متى شاء، فإتلافه إيّاه في نفسه هو الكرم بعينه
إذًا فلقد كانت [كريم] في هذا البيت الحدّ الذي يُستخرج منه سائر البيت استخراج النتيجة من مقدّمتها. ولو وضعتَ مكانها "كتوم" أو غيرها من البدائل التي ذكرناها لاستقام الوزن وسلم المعنى وذهب الشعر، لأنّك تكون قد أخبرت عن الفعل وسكتّ عن علّته، والشاعر شاء أن يُخبر محبوبته لِمَ يُميت السرّ، لا أن يُخبرها أنّه يُميته وكفى! فالذي يُميت السر إن كانت إماتته غير راجعةٍ إلى خلق أصيل لم تكن إماتته مطّردة في كل سر، فلا يحصل لمحبوبته اطمئنان..
رحم الله كُثيّر
#تغريدات








