( وهم الإكتفاء )
كثر الحديث عن العزلة المطلقة وكأن الإنسان كلما قل احتياجه للناس ارتقى أكثر، وهذا غير صحيح!
العزلة قد تكون راحة، وقد تكون ضرورة في وقت معين، ومساحة يستعيد فيها الإنسان هدوءه ويرتب ما اختلط داخله.
لكنها ليست موطنًا دائمًا، فالإنسان لا ينضج وحده، ولا يعرف نفسه كاملة وهو بعيد عن الجميع، فهناك أشياء فينا لا تظهر إلا مع الآخرين.
بل إن الاحتكاك بالناس يكشف فينا ما لا تكشفه العزلة؛ فبعض الصفات لا نعرفها عن أنفسنا إلا عندما نختلف، أو نتعاون، أو نصبر، أو نعفو. فالناس ليسوا مجرد رفقة، بل مرآة تُظهر ما خفي من أخلاقنا ونقاط قوتنا وضعفنا.
الصبر لا يُختبر في غرفة مغلقة.
الوفاء لا معنى له بلا أحد.
الرحمة لا تُمارس على الفراغ.
وحتى الحب والألفة والمساندة لا يصنعها الإنسان لنفسه مهما بلغ اكتفاؤه.
نحن بحاجة إلى من نحدثه، ومن يختلف معنا، ومن يفرح لنا، ومن نطمئن إلى وجوده، ومن نكون له شيئًا ويكون لنا شيئًا.
إن الحاجة إلى الناس ليست ضعفًا، كما أن القدرة على البقاء وحيدًا ليست دليلًا كافيًا على القوة.
النضج ليس أن تستغني عن البشر، بل أن تعرف كيف تعيش بينهم دون أن تفقد نفسك، وكيف تختار من يستحق القرب دون أن تجعل الخيبة من أحدهم حجة للانسحاب من الجميع.
فالعزلة محطة جيدة، لكن الحياة في أصلها لا تحدث بعيدًا عن الناس…
1August 5, 2026 71 1