«تأملتُ في نشر أخبار الضعف والمرض وما يُبقي المرء في دائرةِ الاهتمام، فوجدتُ الإنسانَ يلجأُ إلى ادعاءِ المرضِ أو دورِ الضحيةِ لأن “الضعف” طريقٌ مختصرٌ ومضمونٌ لانتزاعِ رعايةٍ عاطفيةٍ غيرِ مشروطةٍ، أما كسبُ الاهتمامِ بالقوةِ والإعجابِ فيتطلّبُ جهدًا مضنيًا ويضعُه تحتَ وطأةِ التقييمِ وقلقِ الفشل. فالإعجابُ يخلقُ مسافةً مبنيةً على الانبهارِ، بينما التعاطفُ يفرضُ اقترابًا حميميًا ويُعفيه من كلِّ مسؤوليةٍ.
وهو في أصله شعورٌ عميقٌ بالعجز؛ إذ يظنُّ في قرارةِ نفسِه أنه لا يقدر أن يُحَبَّ لقوتِه طوال الوقت، فيتحوّلُ الضعفُ المفتعلُ إلى أداةٍ للابتزازِ العاطفيِّ، يجعلُ من الألمِ الوهميِّ “رأسَ مالٍ” يُبقيه في مركزِ الدائرةِ دونَ أن يدفعَ ثمنَ المنافسةِ الحقيقيةِ في الحياة.
ثم إن فيه كِبرًا خفيًا؛ فباعث ادعاء الضعف طمعٌ في مزيد من التعاطف الذي يرى أنه يستحقه، وأن من حوله قصروا فيه بإرادتهم، فأراد استيفاء حقه -المدعى- بسيف العاطفة.
وهذا خيطٌ رقيق بين طلب الدعاء ممن يرجى صلاحه بعينه، وبين طلب التعاطف العام والتغذي على الاهتمام.
وفي هذا كلِّه يتجلَّى سرُّ التوحيدِ؛ فإن العبدَ كلما رسخَ في قلبِه أن اللهَ وحدَه هو الغنيُّ الصمدُ، استغنى به عمَّن سواه، وأنِفَت نفسُه أن تستجديَ عطفَ الخلقِ أو تتكثَّرَ بانتباهِهم. فالعزَّةُ كلُّها في الافتقارِ إليه وحدَه، ومن صدَقَ في توحيدِه أغناه اللهُ عن الناس، وملأ قلبَه بعزَّةِ الإيمانِ، فلم يَعُد محتاجًا إلى تعاطفٍ مصطنَعٍ ولا أضواء زائفةٍ.»