وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ… — شُذُورُ المَعْرِفَةِ — TG.ME

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا}

-هذه الآيات تعرض بعض مبادئ التفسير الإسلامي للتاريخ البشري:
1-منها: إثبات الفاعلية الإنسانية وحرية الإرادة، حيث نسب الإفساد وسفك الدماء إلى فعل الإنسان وإرادته، ومثل هذا في الوحي كثير {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم) وهذا يخالف ما يسمى بالتفسير اللاهوتي الذي نُسِب لرجال الكنيسة في عصر أوروبا الوسيط الذي ينكر هذه الفاعلية الإنسانية في التاريخ

2-منها: أن هذه الفاعلية الإنسانية ليست خارجة عن الإرادة الإلهية التي يسميها أهل السنة (الإرادة القدرية) كما قال تعالى {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}، وليس كما زعمت الكتب اليهودية أن الله ندم على خلق الإنسان لأجل خطاياه، ولكن القرآن يثبت لله تعالى كمال العلم وعموم الإرادة والقدرة

--ومنهما جاء تساؤل الملائكة: لماذا سمحت الإرادة الإلهية بوجود هذا الإنسان القادر على فعل الخير والشر والذي سيفسد ويسفك الدماء، مع وجود الكائنات الملائكية المتجردة للعبادة وفعل الخير؟

فأتى الجواب الإجمالي: {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} فمع الإيمان بكمال العلم والحكمة ينمحي هذا السؤال، فمن رأى طبيبا يفتح بطن مريض، فلن ينكر عليه لإقراره بعلمه وحكمته فيما يفعل، فتام العلم والحكمة –سبحانه- أولى بالتسليم

-ثم جاءت الإشارة التفصيلية، حين بَيَّن للملائكة قدرة آدم على تعلم اللغة وأسماء الأشياء وإسجاد الملائكة له، ففي هذا إشارة إلى شئ من الخير والحكمة من هذا المخلوق الجديد القادر على تلقي العلم والبيان { عَلَّمَهُ الْبَيَانَ } { الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ - عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ }

-فإذا فهمت هذا وتأملته
علمت أن التسخط أو اليأس من هذا الواقع المؤلم يتعارض مع هذه النظرة القرآنية من جهة إنكار القدرة والفاعلية الإنسانية، فهذا البلاء تسببت فيه إرادة إنسانية ظالمة باغية ويمكن أن تصلحه إرادة إنسانية بَرَّة عادلة، فلابد من الأخذ بأسباب دفعه، وليس التسخط عليه أو اليأس منه

-ولماذا تسمح الإرادة الإلهية بذلك الفساد؟
{إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}
{ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ - وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}

-ولماذا لا ينتقم الله من الظالمين؟
من سنة الله في محمد عليه الصلاة والسلام وأمته أن التأييد والنصر معلق بحسن البلاء والعمل (جعل رزقي تحت ظل رمحي) {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}
حتى أن نقصا وخلافا هينا في غزوة أحد ترتب عليه ما هو معلوم {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ}

-فما العمل إذا؟
1- {فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}
2-{وَقُلِ اعْمَلُوا} اعمل ما تستطيع فيما تحسن، فمن كرم الله ولطفه ألا يحاسبك على غير ذلك
September 5, 2026 54