يتجسد دور البطولة أحياناً في صديق يسمعك تبث شكواك للمرة الألف ثم لا يتبرم منك ولا يتضجر، فيه وهو يعد لك ألف سبب للرضا بينما تعطيك الدنيا ألف سبب للسخط فيه وهو يمد لك يده وأنت في قاع يأسك.. فيه وهو يتقن بالسخرية تحويل مأساتك لنكتة مضحكة تارةً، ويدرك تارةً أخرى متى يكون وجعك مكشوفًا عاريًا من كل ستار يحتاج للرأفة ولا يقبل أي تخفيف ولا تزييف .
يتجلى في والد يؤجل بعض أعماله ويرتب مواعيده ورصيد إجازاته وفق إيقاع الأسرة، كأن ساعته الخاصة لا تدور إلا على توقيت أبنائه.
في من ينتظرك في الضفة الأخرى؛ تتأخر، تتخلف، تعثر، لكنه ما زال ينتظرك بصبر دؤوب .. تصل إليه وقد أضناك التعب، فيفتح لك ذراعيه وتنسى للحظة، كيف كان طعم الطريق.
في الأخ الأكبر يمهد الدرب لمن يعبره بعده وينزع الشوك عن الطريق، يدمي يده ويبتسم قلبه لعبور إخوته سالمين حتى من وخز الإبرة .. لأنه خبر ألمه فاختار ببصيرة من خبر الطريق وحفظ انعطافاته، أن يجنب من يأتي بعده الألم والتيه.
وفي الأمهات… تتسع قلوبهن لطفل بعد طفل، ثم للأحفاد، ثم لأحفاد الأحفاد. تمتلئ الذاكرة بالأسماء والصور والحكايات، ولا يسقط من القلب أحد. يحملن أعباء الأمومة على ظهورٍ أرهقها العمر، ومع ذلك يظل في القلب والعمر متسع لبذل الحنان.
وفيك أنت… حين تتحامل على وجعك، وتسمو على نفسك، وتخوض حروبك بصمت، وتتجاوز عثراتك دون أن تصنع منها مأساة، وتغفر للطيش عنفوانه، وترعى آمالك وتعيد اخضرارها كلما جفت وأمحلت.
في عالم يمجد أبطال مارفل الخارقين، ويصفق للبطولات الصاخبة وللزيف، ويمنح الشهرة لمن يجيد مراقصة الضوء، تذكر بطولاتك أنت.
احرسها. عدها واحدة واحدة.
تلك البطولات التي لا يعرفها سواك، ولا يشهد عليها أحد.


