- في الغابر من الأيام، وحين كنتُ أخطو خطواتي الأولى في مرافئ الطفولة بالمرحلة الابتدائية، كان والدي يحوطني برعايته، يطوف بسيارته حول أسوار مدرستي كحارسٍ أمين، كنتُ حينها—بقلب طفلةٍ ابنة إحدى عشرة سنة—أضيق ذرعا بتلك المتابعة اللصيقة، وتلك الأسئلة المتكررة عن رفيقات دربي وصاحباتي وفي ذلك العهد، ارتدتُ الحجابَ طاعةً لأمره، دون أن أدرك كنه المقاصد.
أذكرُ ذات يومٍ، والجهلُ بالمسؤولية يقود خطاي، أنني كنتُ ألهو مع صويحبات في استراحةٍ قصيرة، فدفعتني رغبة اللعب والركض إلى تخفيف حجابي والتحلل من بعضه لأتحرك براحةٍ أكبر وتأخرت في العودة وبعد قليل من ذلك اللهو أرى سيارته ولم تكد عينه تراني حتى ناداني بوقاره المعهود الذي يملأ النفس هيبة، وأجلسني في السيارة، وحاسبني حسابا عسيرا حازما، رسخ في وجداني ولم يغادرني قط.
كانت تفاصيل حياتي محكومةً بمواقيت صارمة؛ فوقتُ عودتي حدٌّ سيفٍ لا يجوز تجاوزه، وخروجي من عتبة الدار رهينٌ بإذنٍ مسبق، كان يطوقني بخوفه الشديد، ويتابعني بمآقٍ لا تغفل، بينما كان عقلي أقصر من أن يسبر أغوار هذا الخوف، أو يفهم كنه تلك المتابعة ..
تبدّد الضباب ومضت السنون، وتوالت الأيام، وبعد تسع سنواتٍ من التقدم في معارج العمر، انقشعت غشاوة الطفولة، ودخلتُ عالما آخر من الوعي والنضج حينها استوعبتُ تلك التصرفات، وقرأتُ ذلك الخوف وتلك المتابعة بقراءةٍ جديدة؛ فوجدتُ أن تلك الحصانة الصارمة لم تكن تضييقا، بل هي شيم الكبار، وعادات ذوي المروءة والأنفة الذين يصونون اللآلئ.
ما زالت تلك الأيام مهابة في نفسي، تعيش في وجداني، حتى غدت تمنحني نفورا فطريا ممن يعيشون في حريةٍ مطلقة بلا خطام ولا زمام.
أدركتُ بقلبٍ مطمئن وعقلٍ رصين، أن ذلك الخوف، وتلك المتابعة، والحدود الصارمة، هي التي صنعت شخصا متوازنا، يملك في داخله رقيبا ذاتيا، وسياجا من القيم لا يتجاوزها
وها أنا اليوم، أقف على أرضٍ بعيدة، تفصلني عن والدي المسافات، لستُ تحت ناظريه ولا يطوقني حزمه، ومع ذلك.. أجدني أقوم بذات الدور الذي كان يقوم به، ألتزم بذات الحدود، وأحمي ذات المبادئ؛ لا خوفا من سوط، ولا رهبة من عتاب، بل حبا لنهجه، وإعجابا بحكمته، وقناعةً راسخة في سويداء قلبي، وإيمانا بأن ما صنعه كان عين الصواب
فجزاك ربي عني خير ما جازى أبا عن ابنته، وألبسك ثوب الرضا، وجعل غرسك الطيّب فيَّ ثقلاً في ميزان حسناتك.
