في سكون هذا الليل الممتد، بعد دوامٍ طويل ويومٍ تخلله شيءٌ من الثقل - مع أنه يوم الخميس الذي عهدتُه لطيفًا - خطر بي خاطرٌ حيال أولئك الذين يتمسكون بلا شيء، أو يجهدون أنفسهم في ألا يفلتوا شيئًا.
الكرماءُ بطبيعتهم مجبولون على الاندفاع بقلوبٍ ناصعة، يتوهمون أن السخاء العاطفي المطلق هو أسمى درجات الوفاء، فيفتحون أبواب أرواحهم على مصراعيها، ويحاولون محو الفواصل والحدود، ثم يستيقظون في منتصف الطريق ليجدوا أنفسهم وقد أُفْرِغوا من دواخلهم، واستُنزِفوا حتى آخر رمق.
والحكمةُ تدعو المرء ألا يكون ساذجًا في تعاطيه مع المشاعر، حتى مع الأقربين؛ فالوعيُ لا يعني الجفاء أو قسوة الفؤاد، بل يعني ألا يُسلّم إنسانٌ لأحدٍ مفاتيح كيانه، وأن يُقيم بنيان علاقاته على الاعتدال؛ فيزن حبّه بميزان، ويقتصد في عطائه، ويدّخر دائمًا قبسًا من حنانه وصبره لروحه ولصروف أيامه القادمة، فهو السند الأول لنفسه حين تتوزع الأهواء وتنقلب الظروف.
وإن أشد ما يفتن الكرماء ويستدرج حذرهم، ذلك البريق الساحر الذي تُغلَّف به البدايات؛ إذ تأتي محفوفة بالوعود الكبيرة والاطمئنان الدافئ، فتغري القلوب بإسقاط دروعها؛ غير أن النضج الحقيقي يقتضي ألا تأسر المرءَ تلك اللحظات الأولى، بل أن يُرجِئ شيئًا من عاطفته حتى تنجلي الحجب.
فالعلاقات الإنسانية في جوهرها تشبه المحطات المتتابعة؛ فليس كل من صعد في مطلع الرحلة مُقدَّرٌ له أن يبلغ الساحل الأخير.
من الناس من خُلقوا ليكونوا فصولاً عابرة؛ جمعتنا بهم ظرفيةٌ زمانية، أو مساحةٌ مكانية، أو درسٌ أعدّته الأيام ليتشكل به الوعي ويشتد به العود، فإذا انتهى دورهم، أضحى من التغابي الذي لا يُحمد عقباه أن يُكْرَه من كان محطة عابرة على أن يرافق السائرين حتى ختام المطاف.
ولعل من أبلغ صور الإرهاق النفسي، أن يظل المرء مستميتًا في ترميم ما تداعى، ومستغرقًا في محاولات مضنية لإصلاح ما انكسر من وشائج؛
بَيْدَ أن بعض الأمور يكمن صلاحها في تركها والتخلي عنها، وفي إغلاق صفحاتها بوقار دون إتاحة فرصٍ ثانية لا تُنتج إلا تكرار الخيبة وهدر العمر.
فلا ينبغي خشية النهايات، ولا استشعار وجع الهزيمة فيها؛ فما كل ختامٍ مأساة، وما تلك الندوب الروحية التي يخرج بها المرء من أتون التجارب إلا المخاض الطبيعي والتمهيد الضروري لبداياتٍ جديدة، أصفى شربًا، وأجمل مآلاً، وأليق بالقلب الذي استعاد اتزانه ورشده.

August 27, 2026 162 5