لم أكنْ طفلةً سيِّئةً
لتعاقبني الجدرانُ بهذا النحولِ،
كنتُ فقط أمشي على أطرافِ أصابعي،
كيلا أوقظَ حزنَ أمِّي النائمَ في الغرفةِ.
فكبرتُ.. ونسيتُ كيف أضعُ قدمي
بكاملِ ثقلها على الأرضِ.
كنتُ أراقبُ ظلَّ أبي وهو يدخلُ من البابِ
بحذرٍ غريبٍ، يخلعُ حذاءَهُ ببطءٍ شديدٍ؛
كأنما يخشى أن توقظَ دقاتهُ هدوءاً
صنعناه باحتراسٍ، أو يهدمَ باقيَ البيتِ بخطوةٍ زائدةٍ.
تعلَّمتُ منه كيف نخفي انكسارنا خلفَ الهدوءِ،
وكيف نمشي على حافةِ الوجعِ..
كي لا نسقطَ فوقَ عائلةٍ كاملةٍ من الزجاجِ.
فكبرتُ..
وصارَ العبورُ من الأبوابِ الواسعةِ مهارةً لا تغتفرُ.
فكيف أجرؤ على ملءِ المكانِ بصوتي،
وأنا التي وُلدتُ من رحمِ الارتعاشِ؟
أتعثَّرُ ببهجةِ الأشياءِ.. كمن يرتكبُ
جنايةً في حضرةِ الحزنِ الموروثِ.
فكلَّما هممتُ بأن أضعَ قدمي بكاملِ ثقلها،
وبثقةِ من لم يخف يوماً أن يتصدَّعَ الطينُ تحته..
ارتدَّ صداي القديمُ:
خطواتُ أبي المتردِّدةُ، وأصابعُ أمِّي التي كانت
تحنو على جرحِ الوقتِ لتمنعَ نزيفه.
لكنَّ الأرضَ ترفضُ أن تعترفَ
بامرأةٍ لم تتدرَّبْ على الثقلِ،
وتطالبني دائماً برسمِ تلك الخطوةِ الأولى..
تلك التي تليقُ بي وحدي.
أقفُ الآنَ على حافةِ نفسي،
أجمعُ ما تبقى من خفةِ طفلةٍ قديمةٍ،
وأقررُ، لأولِ مرَّةٍ:
أن أسقطَ.. أو أن أطأَ الأرضَ بكاملِ عمري،
بكامل وجعي،بكامل ثقلي.
لأدركُ أخيراً:
إنَّنا لا نكبرُ حقاً لنتحرَّرَ،
بل نكبرُ لكي نحملَ البيتَ كاملاً..
فوق أطرافِ أصابعنا للأبدِ.
-إيمان العدل






