نسأل اللهَ الكريم، ربَّ العرش العظيم، أن يتلطَّف ببلادنا الجزائر وسائر بلاد المسلمين، وأن يصرف عنها وعن أهلها هذه الحرائق، وسائر صنوف المصائب والبلايا والمِحَن والرَّزايا، وأن يحفظ الأنفس والأموال والحرث، وأن يَردَّ مكر الماكرين، ويجعل كَيد الكائدين في نُحورهم، وتدبيرهم في تدميرهم. ونسأله سبحانه أن يتغمَّد مَن قضى نحبه في هذا المصاب الجلل، وأن يكتب لهم أجرَ الشُّهداء، وأن يُلهم أهلهم وذويهم جميل الصَّبر والسُّلوان.
نعم؛ لا ريبَ أنَّ ما يحيط بهذه الحرائق من ملابساتٍ وحيثيّاتٍ يبعث على الرِّيبة، ويُنبئ - متى ثبتت القرائن وتحقَّقت الوقائع - عن أيادٍ خبيثةٍ لا تُريد بهذه البلاد، ولا بغيرها من بلاد المسلمين، إلَّا شرًّا وفسادًا، ولا ترجو لها أمنًا ولا استقرارًا.
غير أنَّ أخبثَ من العدوِّ الخارجيِّ الظَّاهر، وأشدَّ خطرًا منه في بعض الأحوال، قد يكون ذلك العدوّ الدَّاخلي المستتِّر، الَّذي قد لا يحمل سلاحًا، ولا يرفع رايةً، ولا يُجاهر بعداوة، ولكنَّه يُفسد في الأرض بجهله واستهتاره، ويُلقي في الغابات والمساحات الخضراء ما يكون سببًا في إضرام النَّار وإهلاك الحرث والنَّسل؛ من زُجاجٍ وسيجارة - أكرمكم الله -، أو غير ذلك من المواد القابلة للاشتعال، فيكون بذلك قد ألقى إلى التَّهلكة ما ألقى، وفتح بابًا من أبواب الفساد لا يدري إلى أين ينتهي شرُّه، ومُعظمُ النَّار مِن مُستصغر الشَّرر، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56].
وليس ينفع في مثل هذا المقام أن يتذرَّع المرء بأنَّه لم يقصد الإحراق، أو أنَّه لم يُرِد إهلاك أحد؛ فإنَّ عدم القصد إلى النَّتيجة لا يُسقط المؤاخذة عن تعمُّد فعل الأسباب المؤدِّية إليها، ولا سيَّما مع ظهور فساد هذا الصَّنيع وتحقُّق عواقبه الوخيمة، ﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 2]، وكما تعبَّدنا تعالى بالغايات؛ فقد تعبَّدنا أيضًا بالوسائل.
فمَن ألقى ما يُشعل النَّار في موضعٍ تكثر فيه الأعشاب اليابسة، أو ترك خلفه زجاجًا قد يجمع أشعَّة الشَّمس، أو ألقى سيجارة في أرضٍ قابلة للاحتراق، فقد أتى سببًا ظاهرًا للضَّرر، وليس من الفقه ولا من العقل أن يُنظر إلى نيَّته المجرَّدة عن عاقبة فعله، ثم يُقال: إنَّه لم يقصد! إذ العبرة أيضًا بما تعمَّده من أسباب ووسائل ومقدِّمات مقطوع بفسادها، وسوء منقلبها.
وهل هذا إلَّا كحال مَن يستخفُّ بقوانين المرور، فيقطع الإشارة، أو يقود برعونةٍ واستهتار، كأن يكون سكرانَ لا يعي ما يصنع، أو يسوق في موضعٍ ممنوع، ثمَّ إذا أَودى بحياة الأبرياء قال: ما أردتُ قتلهم؟! فإنَّ مَن أقدم على السَّبب المحرَّم، مع علمه بما يُفضي إليه من الهلاك والضَّرر، لا يملك أن يتبرَّأ من تَبعة فعله بمجرَّد دعوى أنَّ النَّتيجة لم تكن مقصودةً له؛ إذ ليس من العقل ولا من العدل أن يتعمَّد المرءُ الأسبابَ المهلكة، ثمَّ إذا وقعت عواقبُها تنصَّل من مسؤوليَّتها بدعوى أنَّه لم يقصد تلك العاقبة بعينها.
ولقد بلغ من تعظيم السَّلف لهذه المسؤوليَّة، واستشعارهم لعِظَم الأمانة وثِقَل التَّبعة، أن قال أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: "لو عثرت دابَّةٌ بالعراق، لسُئلت عنها يوم القيامة: لِمَ لَم تُسوِّ لها الطَّريق يا عمر؟"؛ فكان رضي الله عنه يستشعر من ثِقَل الأمانة ما يجعله يخشى أن يُسأل عن ضررٍ يقع في أقصى البلاد، وإن لم يكن له فيه يدٌ مباشرة؛ فما بالك بمن يتسبَّب باستهتاره ورعونته في إحراق الغابات، وإتلاف الممتلكات، وتشريد الأسر، وتعريض مئات الأنفس البريئة للهلاك حرقًا؟!












